قصص وروايات

أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها

ثلاث ليالٍ داخل محطة مع طفلة في يناير. نظر حوله إلى الناس الدافئين الذين يمرون دون اكتراث، ولأول مرة منذ سنوات، شعر بشيء يشبه الخجل. عاد صوت والده داخل رأسه: “لا تكن غبيًا، هكذا يخدعونك، أعطهم المال فيختفي، أعطهم الثقة فيأخذون كل شيء”. أخرج فهد بطاقته السوداء، فاقتربت مساعدته فورًا: “أستاذ فهد، أنصحك ألا تفعل أي شيء متهور”. نظر إليها ثم إلى غادة، ودون أن يفهم السبب بالكامل، مد البطاقة نحوها. تجمدت غادة وهي تنظر إليها وكأنها :

 

لا، لا أستطيع أخذها. فقط أحتاج بعض الطعام وربما مكانًا دافئًا تنام فيه ابنتي.

أعرف ماذا طلبتِ، قال فهد ثم وضع البطاقة في يدها.

تجمدت أصابعها حولها:

هذا كثير جدًا ليس كذلك؟ أنا حتى لا أعرفك.

وأنا كذلك.

بدأ القلق يظهر في عينيها:

أستاذ، هذا قد يسبب لك مشاكل. أنا لا أريد أي مشكلة.

هناك شرط واحد فقط.

تصلبت ملامحها فورًا:

لديكِ أربع وعشرون ساعة، استخدميها لنفسكِ ولابنتكِ.

لا أفهم!

طعام، ملابس، فندق، طبيب، مواصلات، أي شيء تحتاجانه.

وما الحد المسموح؟

كاد يبتسم بسخرية:

لا يوجد حد.

حدقت فيه بصدمة:

هذا مستحيل! لا.. لماذا تفعل هذا؟

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يجد فهد إجابة حقيقية؛ ربما لأنه تعب من كونه نسخة من والده، ربما لأن وجه الطفلة أيقظ شيئًا دفنه منذ زمن، وربما لأن غادة اعتذرت عن وجودها في عالم يملك فيه رجال مثله أكثر مما يحتاجون. قال أخيرًا:

لأنني أريد أن أعرف ماذا يفعل الإنسان عندما لا يتحكم به أحد.

نظرت إليه بطريقة مختلفة بعدها، ومرّ شيء مؤلم داخل عينيها:

أنت تظن أنني سأسرقك؟

لم يرد، وكان صمته كافيًا. خفضت نظرها نحو البطاقة:

لن أفعل، همست.

كان يفترض أن يشعر بالاطمئنان، لكنه شعر بالعكس تمامًا. أعطاها بطاقة عمله أيضًا:

رقمي هنا، إذا واجهتِ أي مشكلة، اتصلي بي.

تمتمت غادة وهي تنظر إلى ابنتها:

ابنتي لم تنم على سرير منذ ستة أيام.

أدار فهد وجهه بعيدًا لأن تلك الجملة آلمته أكثر من أي شيء آخر.

الاجتماع! قالت مساعدته بتوتر.

أعرف.

ثم غادر. بعد سبعٍ وأربعين دقيقة، اهتز هاتفه: أول عملية شراء، ثم الثانية، ثم الثالثة. وفي تلك اللحظة، أدرك فهد أنه لم يبدأ اختبارًا عابرًا كما ظن، بل فتح بابًا سيغيّر كل شيء كان يؤمن به عن البشر، لكن ما اكتشفه لاحقًا عن أول شيء اشترته غادة من أجل ابنتها جعله يعيد النظر في حياته كلها.

الصدمة الأولى: مشتريات بلا إسراف
اهتز هاتف فهد مرة أخرى. نظر إلى الشاشة بسرعة وهو يدخل المصعد الزجاجي المؤدي إلى قاعة الاجتماعات:

أول عملية شراء: صيدلية في دبي مول (128 درهمًا).

توقف وعبس قليلًا؛ هذا ليس ما توقعه. ثم ظهر الإشعار الثاني: متجر ملابس أطفال (214 درهمًا). أما العملية الثالثة فكانت من مطعم صغير قريب من المحطة (63 درهمًا فقط). رفع عينيه ببطء عن الهاتف، ومساعدته كانت ما تزال تحدثه عن الاجتماع، والأسهم، والمستثمرين، لكنه لم يكن يسمع شيئًا. كان معتادًا أن يرى الناس ينهارون أمام المال، لكن غادة اشترت دواءً، ثم معطفًا لطفلتها، ثم وجبة عادية؛ لا فندق فاخر، لا مجوهرات، ولا سحب نقدي. شعر بانزعاج غريب، وكأن جزءًا داخله كان ينتظر أن تثبت له أنه على حق.

دخل قاعة الاجتماعات؛ الجميع وقف فورًا، رجال ببدلات فاخرة، شاشات تعرض أرقامًا بملايين الدراهم، وروائح عطور باهظة. جلس في مكانه المعتاد على رأس الطاولة، لكن عقله بقي في محطة المترو. فتح هاتفه مرة أخرى تحت الطاولة:

عملية شراء جديدة: مكتبة (49 درهمًا).

حدق بالشاشة لثوانٍ: ماذا تشتري امرأة بلا منزل من مكتبة؟ ضغط على تفاصيل العملية دون أن يشعر: دفاتر تلوين، قصة أطفال، وأقلام شمعية. أغلق الهاتف ببطء، ثم سمع أحد أعضاء المجلس يقول:

أستاذ فهد؟ ما رأيك بالأرقام الجديدة؟

رفع رأسه متأخرًا؛ ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن مركزًا.

الليلة الأولى تحت سقف دافئ
انتهى الاجتماع بعد ساعة ونصف؛ الجميع غادر يتحدث عن العقود الجديدة، أما فهد فبقي جالسًا وحده. ثم فتح هاتفه مجددًا:

عملية جديدة: فندق متوسط قريب من شارع الشيخ زايد (ليلة واحدة فقط).

تنفس بهدوء؛ لا جناح فاخر، ولا حتى فندق خمس نجوم، مجرد غرفة نظيفة. أخذ مفاتيح سيارته بنفسه، وهذا وحده فاجأ مساعدته:

السائق بالخارج، قالت بسرعة.

سأقود وحدي.

خرج قبل أن تسأله أين سيذهب.

كانت غادة تقف داخل الغرفة الصغيرة وهي تنظر حولها وكأنها لا تصدق أن الباب يُغلق هذه المرة من الداخل. الغرفة بسيطة؛ سريران، ستائر رمادية، وحمام صغير. لكن ليان كانت تضحك لأول مرة منذ أيام؛ تركت حقيبتها على الأرض وركضت نحو السرير، ثم توقفت فجأة:

ماما، إحنا مسموح لنا ننام هنا فعلًا؟

شعرت غادة بشيء يضغط صدرها، فابتسمت بصعوبة:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى