قصص وروايات

أعطاها بطاقة بلا حد ليختبرها… لكنه لم يكن مستعدًا لما اشترته لابنتها

نعم يا حبيبتي.

اقتربت ليان من السرير بحذر، ثم جلست فوقه ببطء وكأنها تخشى أن يطلب منها أحد المغادرة، وبعد ثوانٍ فقط استلقت بالكامل وأغمضت عينيها، كأن جسدها الصغير كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن. وقفت غادة تنظر إليها بصمت، ثم جلست على الأرض قرب السرير، ولأول مرة منذ أسابيع، سمحت لنفسها بالبكاء بهدوء ودون صوت.

تفاصيل أصغر.. وأسئلة أثقل
في المساء، ظهر إشعار جديد على هاتف فهد: متجر أحذية، حذاء أطفال (87 درهمًا). ثم بعده مباشرة سوبرماركت: حليب، خبز، فواكه، ومعجون أسنان للأطفال. أغلق فهد الهاتف بقوة هذه المرة وشعر بضيق لا يفهمه؛ كل شيء كانت تشتريه غادة يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم، حذرًا أكثر من اللازم. حتى وهي تملك بطاقة بلا حد، كانت تتصرف وكأنها تخاف أن تأخذ أكثر مما تستحق. تذكر فجأة نساءً عرفهن في عالمه؛ نساء أنفقن عشرات الآلاف على حقائب خلال ساعة واحدة، وأناسًا ولدوا داخل القصور ولم يقولوا يومًا شكرًا لأحد، أما هذه المرأة فكانت تحسب ثمن الحليب.

وصل إشعار جديد: مطعم صغير، وجبتان أطفال. توقف قليلًا عندما قرأ الملاحظة المرفقة مع الطلب: “بدون مخلل، الطفلة لا تحبه”. حدق في الشاشة طويلًا؛ تفصيلة صغيرة، غريبة، وإنسانية أكثر مما ينبغي. شعر بشيء ثقيل يتحرك داخله. في تلك الليلة، لم يستطع النوم؛ وقف أمام الواجهة الزجاجية لشقته المطلة على أضواء دبي، مدينة كاملة تلمع تحت قدميه، لكن كل ما كان يراه هو طفلة تسأل أمها إن كان مسموحًا لها بالنوم على سرير.

رن هاتفه؛ نظر إلى الاسم: والده. أجاب بعد ثوانٍ:

سمعت أنك تغيبت ذهنيًا عن الاجتماع اليوم، قال عبدالرحمن السالم ببرود.

لم يرد فهد فورًا، ثم قال:

كنت مشغولًا قليلًا.

ضحك والده ضحكة قصيرة بلا دفء:

لا تقل لي إنك بدأت تهتم بقصص الناس التعساء التي تملأ الشوارع.

تصلب فك فهد قليلًا:

مجرد موقف وانتهى.

اسمعني جيدًا، الناس المحتاجون لا يريدون المساعدة، يريدون الوصول لما تملكه. هذه قاعدة لن تتغير.

سكت فهد، لكن لأول مرة في حياته، لم يشعر أن والده محق تمامًا.

“بيتنا” الصغير
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان مبكرًا وكانت جالسة على الأرض ترسم بالألوان التي اشترتها أمها. رفعت الورقة بحماس عندما رأت غادة تستيقظ:

شوفي يا ماما!

اقتربت غادة ببطء؛ الرسم كان عبارة عن سرير صغير، وبجانبه نافذة وشمس، وفوقهما كتبت ليان بخط طفولي متعرج: “بيتنا”. شعرت غادة أن قلبها انكمش؛ لأن طفلتها أصبحت تعتبر غرفة فندق مؤقتة بيتًا!

وفي نفس اللحظة تقريبًا، كان فهد ينظر إلى صورة العمليات الأخيرة في تقرير البنك: دفاتر التلوين، أقلام الشمع، حذاء صغير، وحليب. ثم همس لنفسه دون أن يشعر:

ماذا حدث لكِ حتى أصبحتِ تخافين من أخذ أبسط الأشياء؟

في الساعة التاسعة صباحًا، وصل إشعار جديد إلى هاتف فهد: مخبز صغير (18 درهمًا فقط)، ثم بعده بدقيقتين مغسلة ملابس (41 درهمًا). ظل ينظر إلى الشاشة بصمت؛ امرأة نامت في محطة مترو لثلاث ليالٍ، وأول ما فعلته عندما حصلت على المال أنها غسلت ملابس ابنتها. أغلق الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه نحو المدينة الممتدة خلف زجاج مكتبه؛ ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك شيئًا لا يفهمه عن البشر.

براءة الطفولة وشكوك الأم
كانت غادة تجلس قرب نافذة الفندق الصغيرة بينما تأكل ليان قطعة كرواسون بحماس طفولي بسيط. كل بضع دقائق، كانت الطفلة ترفع عينيها نحو أمها وكأنها تخشى أن يختفي كل شيء فجأة:

ماما، إحنا راح نرجع للمحطة؟

سكتت غادة لثوانٍ ثم قالت بهدوء:

لا أعرف يا حبيبتي.

لم تكذب عليها؛ لم تعد تملك طاقة للكذب المطمئن الذي تقوله الأمهات عادة لأطفالهن. خفضت ليان عينيها نحو الطعام ثم سألت بصوت صغير:

الرجال الغني.. كان طيب؟

ارتبكت غادة قليلًا؛ فهد لم يكن لطيفًا بالمعنى الطبيعي، حتى مساعدته كانت تتحدث معه وكأنها تخشى إزعاجه، لكنه أيضًا لم ينظر إليهما باحتقار مثل بقية الناس. قالت أخيرًا:

أعتقد أنه يحاول يفهم شيئًا.

ليان لم تفهم الجملة، لكنها هزت رأسها وعادت للأكل.

في الظهر، خرجت غادة من الفندق ممسكة بيد ابنتها، وكانت تتحرك بحذر واضح كأنها ما تزال تخشى أن يوقفها أحد ويقول إن كل هذا خطأ. دخلت متجرًا بسيطًا للملابس، ليس فاخرًا ولا رخيصًا جدًا. وقفت ليان أمام فستان أزرق طويل قليلًا عليها، ثم ابتعدت فورًا عندما رأت السعر. لاحظت غادة ذلك:

يعجبك؟

لا، عادي، هزت ليان رأسها بسرعة.

لكن الأطفال لا يعرفون الكذب جيدًا. ابتسمت غادة بخفة ثم أخذته بهدوء ووضعته مع الملابس الأخرى. تجمدت ليان:

لا ماما، غالي!

لا بأس.

بس.. الرجال يمكن يزعل.

توقفت غادة للحظة؛ هذه الطفلة أصبحت تخاف حتى من شراء ما تحبه! قالت بهدوء وهي ترتب شعرها:

ما أحد يزعل من فستان يا ليان.

لكن شيئًا داخلها كان يهمس بالعكس؛ هي نفسها كانت خائفة من البطاقة، خائفة من أن يأتي وقت ويطلب فيه فهد كل شيء بالمقابل. الحياة علمتها أن لا شيء مجاني فعلًا.

ليلة الهواجس والاتصال المباغت
في نفس الوقت تقريبًا، كان فهد يجلس مع أحد المستثمرين داخل مطعم فاخر في برج خليفة. الرجل يتحدث عن مشروع جديد، مئات الملايين، توسعات، وأرباح، لكن فهد لم يكن يسمع جيدًا؛ لأن إشعارًا جديدًا ظهر على هاتفه: متجر ألعاب (76 درهمًا). ضغط عليه دون وعي: لعبة تعليمية صغيرة، ودمية أرنب رخيصة. حدق طويلًا ثم سأل المستثمر فجأة:

عندما كنت صغيرًا.. هل كنت تخاف من طلب الأشياء؟

توقف الرجل عن الكلام مرتبكًا:

ماذا؟

أعاد فهد نظره للهاتف:

لا شيء.

لكن السؤال بقي عالقًا داخله، لأنه لا يتذكر أنه خاف يومًا من طلب أي شيء، أما ليان فكانت تخاف من فستان!

في المساء، عادت غادة وابنتها إلى الفندق؛ ليان كانت تحتضن الأرنب الصغير وكأنه كنز، وعندما دخلتا الغرفة ركضت مباشرة نحو السرير وقفزت فوقه وهي تضحك ضحكة قصيرة، خفيفة، لكنها ملأت المكان بالكامل. وقفت غادة عند الباب تراقبها ثم فجأة غطت عينيها بيدها؛ ليس لأنها تبكي، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتحمل هذا الشعور. السعادة البسيطة أصبحت تؤلمها!

رن هاتفها فجأة؛ رقم غير معروف. ترددت قبل أن ترد:

ألو؟

معكِ فهد السالم.

تصلب جسدها فورًا، ونظرت تلقائيًا نحو البطاقة الموضوعة فوق الطاولة:

آسفة إذا صرفت كثيرًا..

لم تصرفي كثيرًا.

سكتت، ثم قال بعد لحظة:

هل تناولتِ أنتِ الطعام اليوم؟

تفاجأت من السؤال نفسه، كأن أحدًا لم يسألها هذا منذ زمن طويل. قالت بهدوء مرتبك:

نعم.

لكنه شعر فورًا أنها تكذب. نظر إلى تفاصيل العمليات مرة أخرى؛ كل الطلبات تقريبًا كانت تخص الطفلة: ملابس أطفال، وجبات أطفال، أدوية أطفال، حتى المطاعم كانت أرخص شيء بالقائمة. قال دون أن يفكر كثيرًا:

طلبتِ وجبة واحدة فقط أمس من المطعم.

ساد الصمت، ثم قالت غادة بصوت منخفض جدًا:

ليان كانت جائعة أكثر مني.

أغلق فهد عينيه للحظة، وشعر بشيء ثقيل يتحرك داخل صدره، شيء لم تستطع كل أموال العالم أن تمنعه هذه المرة؛ لأن المرأة التي ظن أنها قد تستغل بطاقته، كانت ما تزال تتصرف وكأنها لا تستحق حتى أن تأكل جيدًا.

عيادة الأطفال وظهور فهد المفاجئ
في صباح اليوم التالي، استيقظ فهد قبل المنبه لأول مرة منذ أشهر. بقي مستلقيًا للحظات وهو ينظر إلى سقف غرفته الواسعة، ثم مد يده مباشرة نحو الهاتف، وفتح سجل العمليات البنكية قبل أي شيء آخر؛ لم يكن هناك أي شراء فاخر، ولا سحب نقدي، ولا حتى محاولة لاستغلال البطاقة، فقط متجر صغير للإفطار ثم صيدلية مرة أخرى. تنفس ببطء؛ شيء داخله كان يرتاح، وشيء آخر كان ينزعج لأنه يرتاح.

كانت غادة تجلس في عيادة أطفال خاصة قرب الفندق، وليان نائمة على كتفها بتعب، والطبيبة تقلب نتائج الفحص أمامها:

عندها التهاب قوي بالصدر بسبب البرد والإرهاق، لكنها ستكون بخير إن شاء الله.

أغمضت غادة عينيها للحظة وكأن جسدها كله انهار بعد سماع جملة “ستكون بخير”:

هل تحتاج دخول مستشفى؟

لا، فقط راحة وأكل جيد وانتظام على الدواء.

هزت غادة رأسها بسرعة، ثم سألت السؤال الذي يفضح أي شخص عاش ضيق المال طويلًا:

كم الحساب؟

ابتسمت الطبيبة بخفة وهي تذكر الرقم، ورغم أن البطاقة السوداء داخل حقيبتها تستطيع دفع أضعافه بلا معنى، شعرت غادة بانقباض داخل صدرها؛ الاحتياج لا يختفي بهذه السرعة.

بعد ساعة، وصل إشعار العيادة إلى هاتف فهد. ظل ينظر إليه طويلًا: التهاب صدر، طفلة عمرها ست سنوات، ثلاث ليالٍ في محطة باردة! أغلق الهاتف بقوة هذه المرة ثم وقف فجأة لدرجة أن مساعدته التفتت نحوه بسرعة:

أستاذ فهد؟

ألغِ كل اجتماعات اليوم.

لكن اجتماع المستثمرين الأمريكيين…

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى