
الحياة حين تخلو من المشاكل الكبرى، أحياناً تتحول في نظر الإنسان المتسرع إلى لوحة باهتة بلا طعم. كنت أعيش في بيتي مع زوجتي “ليلى” في استقرار تام، لم تكن هناك عواصف مدمرة، ولا خلافات تستحق الذكر، ولا ضجيج يملأ أركان البيت. كانت أيامي تشبه جريان النهر في أرض منبسطة؛ هادئة، منتظمة، ودافئة. لكني، وبكل أسف، تفسير هذا الهدوء على أنه “ملل “.
كنت أستيقظ صباحاً، أتناول فنجان قهوتي بصمتها المريح، وتودعني بابتسامة رقيقة تخلو من التصنع، ثم أذهب إلى عملي. وفي المساء، أعود لأجد البيت نظيفاً، هادئاً، ورائحة الطهي البسيط تملأ المكان. لكن طموحي المتهور، ورغبتي الطفولية في رؤية الألعاب النارية كل يوم، جعلاني أضيق ذرعاً بهذه السكينة. كنت أريد صخباً، ضحكات عالية، وحياة تشبه الحفلات الصاخبة.
وفي لحظة طيش نفسي وغرور ذكوري، قررت أن أنهي هذا الزواج. أذكر جيداً ذلك اليوم الذي جلست فيه مع ليلى وأخبرتها بقراري بكل برود واستعلاء. لم تبكِ طويلاً، ولم تصرخ، بل نظرت إليّ بعينين دامعتين تملؤهما خيبة الأمل والتعجب من إنسان اخترته سنداً فخزلها. تركت لها كل حقوقها المالية، وأعطيتها كل ما تطلب، لا كرماً مني بل تخلصاً من شعور خفي بالذنب كنت أحاول الهروب منه. خرجت من البيت ومضيت في طريقي، كأنني تخلصت من مرض أثقل كاهلي، ولم أبص وراي قط.
مرت الشهور الأولى وأنا أعيش في نشوة الانتصار الوهمي. كنت أقول لنفسي إنني أصبحت حراً طليقاً، وإن بإمكاني تشكيل حياتي بالشكل الذي أتمناه. وخلال هذه الفترة، تعرفت على “صافي”. كانت صافي الانعكاس التام لليلى؛ صاخبة، متطلبة، تحب الأضواء والمظاهر الزائفة، وتجيد لفت الانتباه أينما حلّت. في بداية معرفتنا، خدعني هذا البريق المخادع، وظننت أنني وجدت أخيرًا “النبض” الذي كان ناقصاً في حياتي. نسيت تماماً ليلى وهدوءها الذي كنت أسميه زوراً وبُهتاناً مللاً.
تسرعت وتزوجت صافي، وسرعان ما وجدت نفسي أنجرف في عالم مليء بالاستعراض والاهتمام المبالغ فيه بالمظاهر الخارجية. حياتنا أصبحت سلسلة لا تنتهي من الحفلات، والمشتريات باهظة الثمن، والمجاملات الاجتماعية الفارغة. كنت أحاول طوال الوقت إقناع نفسي بأنني سعيد، وأن هذه هي الحياة التي كانت تناسبني حقاً، لكن في أعماق روحي، كان هناك صوت خافت يهمس لي بأن شيئاً جليلاً قد ضاع مني إلى الأبد، وأنني استبدلت الذهب الخالص ببريق نحاسي زائف.
الفصل الثاني: مفاجأة المركز التجاري ووقفة الزمن
في أحد الأيام، وبينما كنا نتحضر لحضور حفل زفاف تخص إحدى صديقات صافي المقربات، أصرت على أن نتوجه إلى أحد أرقى المراكز التجارية في المدينة لشراء فستان سهرة استثنائي. دخلت صافي المركز التجاري بثقة مفرطة، وكأنها تملك المكان وما فيه، بينما كنت أتبعها بخطى متثاقلة، حاملًا أكياس مشترياتنا السابقة، محاولاً ابتلاع شعور الدوار الذي كان ينتابني من كثرة الصخب والإنفاق العشوائي.
تجولنا بين المحلات الكبرى ذات الواجهات البוהرة، حتى توقفنا أمام متجر عالمي شهير للفساتين النسائية. دخلت صافي وهي تتمخطر، وبدأت تتفحص المعروضات بتعجرف واضح. وفي تلك اللحظة، وبينما كانت تختار إحدى القطع، لاحظت فتاة تقف بانتظام وترتيب، تعطينا ظهرها بينما كانت تعيد تنسيق الفساتين المعلقة بعناية فائقة وتفانٍ بالغ.
استدارت الفتاة ببطء لتلبي نداء العمل.. وفي تلك اللحظة بالذات، توقف الزمن تماماً.
إنها ليلى!
لم تكن ترتدي تلك الثياب الأنيقة المريحة التي اعتادت عليها في بيتنا القديم، بل كانت ترتدي زي العمل البسيط الخاص بالمتجر. كان وجهها شاحباً بعض الشيء، لكنه كان يحمل هيبة غريبة وعزة نفس طاغية. عنيها التقتا بعيني في تلك اللحظة.. ثانية واحدة فقط كانت كفيلة بأن تجعل جسدي كله يتنفض، وأن يرتطم الماضي بكل ثقله على صدري.
ليلى.. التي تركتها تظن أن الحياة ستنكسر أمامها لأنها وحيدة، تقف اليوم على قدميها، تعمل بجهد وكد لتواجه أعباء الدنيا بشجاعة نادرة.
لاحظت صافي صمتي المفاجئ وتغير ملامح وجهي الشاحب، فالتفتت إليّ بفضول مزعج وقالت بصوت عالٍ:
“مالك يا أحمد؟ كأنك شفت عفريت! عموماً، شوف لي البنت دي.. تعالي يا آنسة، من فضلك شوفي لي الفستان ده فيه منه مقاس أصغر؟”
التفتت ليلى بهدوء تام، وتلاشت من عينيها أي صدمة فورية لتستبدل بملامح احترافية بحتة. لم تبدِ أي ضغينة، ولم ترتجف، بل حافظت على رباطة جأشها وقالت بصوت هادئ ومحترف:
“أهلاً بحضرتك يا فندم، ثوانٍ معدودة وسأبحث لك عن المقاس المطلوب في المستودع.”




