منوعات

العالم الهولندي

شغل اسم الباحث الهولندي فرانك هوغربيتس (Frank Hoogerbeets) الرأي العام العالمي والعربي على حد سواء خلال السنوات الأخيرة، وأصبح محط أنظار ملايين المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي ومعهود محركات البحث مع كل هزة أرضية أو زلزال مدمر يضرب منطقة حول العالم. وبينما يراهن قطاع واسع من الجمهور على دقّة تحذيراته وتوقعاته التي تصيب أحياناً، يقابل الوسط العلمي والأكاديمي المتخصص هذه التوقعات بموجة عارمة من التشكيك والرفض القاطع، معتبرين أنها تعتمد على فرضيات غير معتمدة علمياً. في هذا المقال، نسلط الضوء على خلفية هذا الباحث، طبيعة نظرياته، وموقف العلم الرسمي منها.

من هو فرانك هوغربيتس؟
فرانك هوغربيتس هو باحث مهتم بالفلك وتأثير حركة الأجرام السماوية، ويُعرف بكونه مؤسس ما يُسمى بـ “هيئة هندسة النظام الشمسي” (SSGEOS – Solar System Geometry Survey). اكتسب شهرة واسعة مفاجئة وكبيرة عقب توقعه الشهير للزلزال تركيا وسوريا في فبراير من عام 2023 قبل وقوعه بأيام قليلة. ومنذ ذلك الحين، تحولت منصاته الرقمية ومقاطع الفيديو التي ينشرها إلى وجهة لملايين الباحثين عن بصيص أمل أو تحذير مسبق من الكوارث الطبيعية، في محاولة لفهم الطبيعة المتوحشة للزلازل.

الفرضيات والنظرية التي يقوم عليها عمله
تستند نظريات هوغربيتس بشكل أساسي إلى فكرة أن النشاط الزلزالي على كوكب الأرض لا يحدث بمعزل عن الفضاء الخارجي. ويزعم الباحث أن مواقع وتواريخ اقتران الكواكب الكبرى في النظام الشمسي مع الشمس والقمر تخلق هندسة محددة.

وفقاً لطرحه، فإن هذه الاقترانات وتراكم قوى المد والجزر الكوكبية والمغناطيسية تؤدي إلى توليد ضغوط إضافية على قشرة الأرض والصفائح التكتونية، مما يحفز تفريغ تلك الطاقة المفاجئة على شكل زلازل قوية. يعتمد هوغربيتس في تقديراته على مؤشر يُعرف باسم “هندسة النظام الشمسي” (SSGI) لمحاولة رصد وتوقع الأوقات التي ترتفع فيها احتمالية حدوث هزات أرضية عنيفة.

الموقف العلمي والأكاديمي: رفض وتشكيك
في المقابل، يقف المجتمع العلمي العالمي، المتمثل في هيئات رصد الزلازل الدولية مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) وغيرها من مراكز الأبحاث الجيولوجية حول العالم، موقفاً صارماً ضد هذه المزاعم. وتتلخص الانتقادات الموجهة لهوغربيتس في النقاط التالية:

استحالة التنبؤ المسبق بالزلازل: يؤكد علماء الجيولوجيا والزلزال مراراً وتكراراً أنه لا توجد أي طريقة علمية موثوقة حتى اليوم للتنبؤ بمكان وزمان وقوع الزلازل بدقة.

غياب الآلية الفيزيائية الأرضية: تشير الأبحاث إلى أن القوى الناتجة عن الكواكب والأجرام السماوية البعيدة تكاد تكون ضئيلة جداً ولا تقارن بالقدر الهائل من الضغوط التكتونية الهائلة المخزنة تحت قشرة الأرض وفي باطنها.

عشوائية التوقعات (الضربات الحظية): يرى النقاد أن إطلاق التوقعات بشكل مستمر وطوال العام سيؤدي حتماً إلى توافق بعضها بالصدفة مع وقوع زلازل حقيقية في أماكن متفرقة من العالم، وهو ما يُعرف في علم النفس التحليلي بانحياز التأكيد، حيث يتم تذكر التوقعات الناجحة وتجاهل العشرات من التوقعات الخاطئة أو التي لم تحدث.

التأثير النفسي والاجتماعي لتحذيراته
إلى جانب الجدل العلمي، يثير الأسلوب الذي يتبعه هوغربيتس في إطلاق التحذيرات جدلاً مجتمعياً عميقاً. فمن جهة، يرى البعض أن هذه التنبيهات ترفع مستوى الوعي المجتمعي وتدفع الناس لليقظة، بينما يرى علماء النفس وخبراء إدارة الكوارث أن هذه التوقعات غير الدقيقة تساهم في نشر الذعر والهلع الجماعي بين المواطنين، خصوصاً في الدول التي تعاني بالفعل من توترات زلزالية مستمرة، دون تقديم حلول عملية أو وقائية حقيقية سوى الخوف المستمر.

الخاتمة
يبقى العالم الهولندي فرانك هوغربيتس شخصية جدلية بامتياز؛ فهو يغرد خارج السرب التقليدي للعلوم الجيولوجية، مستنداً إلى مشاهدات فلكية يحاول ربطها بباطن الأرض. ورغم الشعبية الجارفة التي يتمتع بها عبر الإنترنت، يظل الخط الفاصل بين العلم الحقيقي والاجتهادات الشخصية واضحاً وحاسماً لدى المراكز البحثية التي تؤكد أن التعامل مع الزلازل يجب أن يتم عبر الاستعداد الهندسي، وبناء مباني مقاومة للزلازل، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر اللحظي، وليس عبر انتظار توقعات فلكية لم تكتسب بعد أي صفة إجماع علمي معتمدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى