
أبويا الله يرحمه مات وأنا لسه شاب صغير، ومن وقتها مبقاش ليا في الدنيا دي غير أمي، ست الكل روحية. لما جالي عرض شغل بره البلد، فرصة عمر قلبت حياتي كلها، أول حاجة فكرت فيها هي أمي. عرضت عليها تيجي معايا تسافر ونبدأ حياة جديدة، خصوصاً إني مكنتش متخيل أبداً أسيبها لوحدها في البيت القديم وحدها واسافر. بس هي رفضت بإصرار غريب وقالتلي يا ابني، أنا اتجوزت في البيت ده، وربيتك فيه، ومش هسيب بيت جوزي وذكرياته لحد ما أموت. سافر انت ، وركز في مستقبلك، وأنا مرتاحة هنا.
وفعلا سافرت و ربنا فتحها عليا بطريقة مكنتش أتخيلها. الشغل مشي، والدخل كبر، وبقيت عايش عيشة كويسة جداً. ومن أول ما دخلي اتحسن بقيت أبعت لها كل شهر خمسين ألف جنيه عشان تشتري كل اللي نفسها فيها.
أمي طول عمرها ست بسيطة، وكنت عارف إنها مش هتصرف نص المبلغ اللي ببعته بس كنت اقول خليهم في حسابها عشان تطمن وتجيب اللي عايزاه.
كنت أكلمها في التليفون أقول لها يا أمي اصرفي ومتستخسريش في نفسك حاجة، ولو عوزتي أكتر ابعتيلي فوراً. وكانت دايماً ترد عليا يا ابني ده كتير قوي، ربنا يباركلك ويحفظك.
ومرت الايام و اتعرفت على واحدة أجنبية واتجوزتها بره. لما أمي عرفت زعلت أوي لان كان نفسها تحضر فرح ابنها الوحيد.
كلمتها وفهمتها ان كل حاجه جت فجأة وطيبت خاطرها ، وهي رغم زعلها باركتلي وسكتت زي عوايدها.
عدت سنتين بحالهم، وخلال السنين دي كنت مشغول في حياتي وجوازي وشغلي، وكنت دايما اعتذر لها لإني مقصر في السؤال عنها وكنت دايما اسألها واطمن منها إن الفلوس اللي ببعتهالها مكفياها ومخلياها في أحسن حال.
لحد ما في يوم قررت إني أخيراً نازل في إجازة وهشوفها كلمتها وقلتلها يا أمي، أنا جاي ومعايا مراتي وأهلها.. طلبوا يجوا يزوروا مصر ويسلموا عليكي لأول مرة.
أمي طارت من الفرحة، حسيت بصوتها بيترعش من اللهفة والشوق. نزلت من المطار ومعايا حمايا وحماتي ومراتي، وأنا طاير من السعادة، اني هشوف امي واحضنها واكل لقمه من اديها بعد زمن.
وصلنا البيت، وأول ما دخلت، جريت عليا حضنتني بحب الدنيا كله، وبقت تبكي في حضڼي من كتر الشوق واللهفة. وبعدين سلمت على مراتي وأهلها بحفاوة، وقضينى أوقات جميلة مع بعض وروحنا زورنا الأماكن اللي بتحبها.
بعد فترة قصيرة رجعت بره مع مراتي وأهلها، وفضلت على اتصال دائم ومستمر بأمي أطمن عليها كل يوم، وأطمن إن كل طلباتها متوفرة وإنها في أحسن حال.
لحد ما في يوم، جالي اتصال مفاجئ من واحد صاحبي مكلمنيش من سنين، وبصوت حزين قال لي:
البقاء لله يا علي.. أمك اتوفيت.. انزل عشان تلحق الچنازة.
نزلت مصر بسرعة وقلبي بيتقطع، ولما وصلت كانت الدفنة خلصت. طلعت جري على المقابر، وقعدت عند قبرها وقولت بوجع:
ليه يا أمي.. ليه سبتيني ودخلت في الغياب ده؟! ليه حرمتيني منك ومن رضاكي؟!
وأنا قاعد مهموم، باصص للقبر ومش مصدق إنها راحت.. حسيت بحد بيقرب مني. رفعت عيني، لقيت راجل كبير في السن، أول مرة في حياتي أشوفه.
وقف قدامي، وبصلي نظرة غريبة وقال لي بهدوء: البقاء لله يا علي.
وفي اللحظة دي، عرفت الحاجات اللي كانت مخبياها، والجانب الإنساني العظيم في حياتها اللي كانت بداريه عن الكل.
وقفت قدام الراجل الكبير وأنا بمسح دموعي، وقلتله بصوت مبحوح: حضرتك مين؟ وعرفتني منين؟
بصلي بحزن وقال: أنا اسمي عم رجب، كنت جار أمك الله يرحمها أكتر من تلاتين سنة، وكنت آخر واحد معاها قبل ما تموت. بس قبل ما أمشي من هنا، لازم أقولك على أمانة شالتها أمك في رقبتها، وكانت كل يوم بتدعي ربنا إنك تعرف حقيقتها.
بصيتله باستغراب وقلبي بدأ يدق بسرعة، وقلتله: أمانة إيه؟ وأمي كانت مخبية عني إيه؟!
طلع من جيبه ظرف بني قديم، أطرافه كانت متنية من كتر ما اتفتح واتقفل، ومدهولي وقال: أمك سابتلك الظرف ده، وقالتلي لو علي جه يوم ووقف عند قبرها، أديهوله. قالتلي إنك هتيجي، حتى لو اتأخرت، وإنك لازم تعرف الحقيقة بنفسك.
مسكت الظرف وإيدي بتترعش، وفتحته بسرعة، لقيت جواه جواب بخط أمي، ومعاه شوية إيصالات تحويلات بنكية وأوراق قديمة.
فتحت الجواب، وأول كلمة شفتها كانت:
ابني وحبيبي علي…
وقفت مكاني، وكملت أقرأ:
لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا مشيت من الدنيا قبل ما أشوفك تاني، وكنت دايماً بتمنى تفضل فاكرني بالخير والرضا.
فاكر لما كنت صغير، ووالدك مات وإنت عندك عشر سنين؟ فاكر اليوم اللي رجعت فيه من المدرسة ولقيتني ببيع الدهب بتاعي عشان أسدد ديون أبوك؟ وقتها وعدت نفسي إني عمري ما هسيبك محتاج لحد، وإنك لو كبرت وبقيت راجل، هتفضل ضهرك متسند عليا حتى لو أنا مبقتش موجودة.
بس في حاجة عمرك ما عرفتها…




