قصص وروايات

لقيت شات بين جوزي وعيلته اماني سيد

كانت الليلة مفترضة أن تكون دافئة ومليئة بالود العائلي؛ فقد أقرت أمي أن تعد عزومة متكاملة لصهري ممدوح وأهله، ووقفت طوال اليوم على قدميها، رغم تعبها ووهن صحتها، لتختار أفضل الأطباق وتطهوها بحب، ظناً منها أنه بمثابة ابنها البكر. كنت أساعدها وأنا أرتدي مئزري، وقلبي يغمره السرور لأنني أرى السعادة في عينيها وهي ترى بيتي عامرًا بالألفة.

 

جلسنا على المفرش، وكان الطعام يملأ السفرة أشكالاً وألواناً. وسط ضحكات الحاضرين وأحاديث العشاء، لفت نظري أمر غريب؛ ممدوح، زوجي، كان منصرفاً كلياً عن الجلسة، جاحظ العينين في شاشة هاتفه، يبتسم بتهكم تارة، ويكتب بسرعة تارة أخرى. استمر على هذا الحال طوال وقت العزومة، حتى إنني شعرت بوخزة ريبة تنغز قلبي. لم يكن انشغاله بطبيعة العمل، بل كانت لغة جسده توحي بأنه في عالم آخر، عالم يستأثر باهتمامه ويستسخر مما يدور حوله.

انتهت العزومة وغادر الضيوف، ورغم أن الشك كان يحفر في صدري حفرًا، إلا أنني قررت ألا أفتعل مشكلة قبل أن أتأكد بنفسي. تعاملت مع الأمور بهدوء تام، رتبت المطبخ، وساعدت أمي في توديعهم، ثم صعدت إلى شقتنا كأن شيئاً لم يكن. انتظرت حتى هدأت أنفاس ممدوح وغط في النوم تاركاً هاتفه على الطاولة بجانب السرير.

لم أتردد؛ امتدت يدي إلى الهاتف وفتحته ببصمة إصبعه التي حفظتها غيباً، ودخلت مباشرة على تطبيق المراسلة وتحديداً إلى مجموعة العائلة التي تضم ممدوح، وأمه، وأخته ريهام.

كانت الصدمة تنتظرني في أول سطر قرأته.

لم تكن صوراً، بل كانت سلسلة طويلة من الرسائل النصية والرسائل الصوتية المتبادلة بينهم خلال ساعات العزومة التي قضوها في بيتنا قبل قليل. دمى قلبي في عروقي، وشعرت برعشة سرت في أطرافهي وهي تقرأ الكلمات التي تبخرت معها كل سنوات التضحية والعطاء.

وجدت رسالة من أخته ريهام تقول فيها بتهكم: “يا لهوي يا ممدوح، هو الأكل ده خلص إمتى؟ والدتها دي شكلها مكنش قادفة تتحرك ولا تخدم كويس، واضحة إنها تعبانة ومش قادرة، ربنا يعينك على النسب ده وثقل الدم اللي عايش فيه”.

فرد عليها ممدوح برسالة نصية أخرى مليئة بالسخرية المرة: “أنا كنت قاعد وماسك نفسي من الضحك بالعافية على تكرارهم لنفس الكلام القديم، الست دي طول عمرها بتاخد الموضوع بجدية زيادة عن اللزوم، أومال هسليكم إزاي لولا إني ببعت لكم أول بأول انطباعي عن كل حركة بيعملوها”.

لم أستطع التقاط أنفاسي. واصلت سحب الشات إلى الأعلى، كأنني أفتح صندوق باندورا للغل والجحود.

وجدت رسائل أخرى متبادلة يعلق فيها على حياتنا اليومية، ويسخر فيها من جهدي المبذول في إدارة المنزل. كانت أمه تكتب له: “يا عيني عليك يا ابني، وقعت واقعة سودة مع واحدة لا تفقه شيئاً في الشياكة ولا تعرف تدير بيتها زي أخواتك، بس معلش، استحمل عشان خاطر العيال، واهي بتخدم وخلاص، أومال لو شفت ريهام أختك في بيتها بتبقى عاملة إزاي، دي برنسيسة في بيتها”.

وريهام أخته كملت السخرية في رسالة صوتية فتحتها بحذر شديد فسمعت صوتها وهي تقول: “يا ممدوح حرام عليك، دي من كتر ما هي مهملة في روتين حياتها مبقاش طايق حتى أتكلم معاها، إنت إزاي مستحمل الجو الكئيب ده؟ أنا لو مكانك مكنتش دخلت البيت أصلاً”.

وهو بكل خسة رد كتابياً: “أنا بقضي أغلب وقتي بره، ولما برجع بنام علطول عشان مشوفش الوش ده ولا أسمع نكد. ادعولي ألاقي الفرصة اللي تخلصني من القرف ده وتخليني أعيش حياتي بجد”.

في تلك اللحظة، لم تعد الدموع تسعفني؛ بل تحولت إلى جمر مشتعل في صدري. الإنسان الذي كنت أقتطع من راحتي وجهدي لأجل إرضائه، الذي كنت أقف على رجلي بالساعات لأعد له ما يحب، والذي كنت أتحمل جفاءه وتقصيره بحجة ضغوط الحياة.. كان ينقل أسرار بيته لأمه وأخته ليجعلمها مادة للفكاهة والسخرية اليومية، ويصفني بالتقصير والجفاف، متنكراً لكل معروف قدمته له ولعائلته.

بصيت للموبايل وقلت بصوت محروق يكاد يخرج من أضلاعي:
“بقى أنا مقصرة يا ممدوح؟ وأمي اللي شالتك في عينيها ومحترمتش تقصيرك أصبحت مادة لسخريتك أنت وأهلك؟ والله لهخليك تعرف قيمة العيش والملح، وقيمة الإنسانة اللي استهنت بيها”.

رميت الموبايل بهدوء على الطاولة، وتوجهت إلى المطبخ شربت جرعة ماء لأطفئ النار التي تحرقه، وعقلي يضع خطة واحدة لا رجعة فيها: ممدوح انتهى تماماً من حياتي.

عدت إلى غرفة النوم، هززت كتفه بهدوء حتى استيقظ مفزوعاً من هدوء ملامحي التي كانت تضج بالبركان الداخلي. فتح عينيه بذهول وقال بصوت نعسان: “في إيه يا هنا؟ الساعة كام دلوقتي؟”

قلت له بصوت هادي يرعب ويقطر برودة:
“اصحى يا سيد الرجالة.. اقرأ اللي كنت بتسلي بيه أختك وأمك وإنت واكل شارب في بيت أبويا. اقرأ الرسائل والمحادثات اللي بتشتم فيها مرتك وأهلها”.

تناول الهاتف بسرعة، وما إن تصفح الشات المفتوح حتى تحول وجهه إلى شاحب، وبدأ يرتجف ويتلعثم: “يا هنا.. والله.. والله دي مجرد فضفضة.. إحنا بنهزر عادي.. مش قصدنا…”

قاطعت كلامه بصرخة قوية هزت أركان الغرفة:
“هزار؟ بتنقل كلام بيتنا وأسرارنا لأختك وأمك عشان يتريقوا عليا وعلى تعبي؟ بتوصفني بالتقصير وإنت شارب من خير أهلي؟ إنت مسبتش للرجولة مكان يا ممدوح. اخرج بره.. اخرج بشنطة هدومك اللي كنت بتتريق على عيشتي فيها، وروح للي شمتهم فيا خليهم ينفعوك”.

حاول ممدوح أن يقترب مني ليبرر موقفه بكلمات متقطعة: “يا هنا إنتي فاهمة غلط.. دي ساعة شيطان، والجروب ده عائلي بندردش فيه براحتنا، أنا بحبك وإنتي عارفة…”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى