قصص وروايات

طلقتُ زوجتي لفرط هدوء حياتنا ورميت بها وحيدة بلا سند

استدارت ليلى لتمضي نحو هدفها بخطوات ثابتة، لكن صافي، التي كانت تبحث دائماً عن فرض السيطرة وإظهار التميز، استوقفتها بنبرة متكبرة بعض الشيء وقالت:
“قولي لي.. لا تتأخري كثيراً، فلست ممن يمتلكون وقتاً طويلاً للبطء. وبعدين، هذا الفستان باهظ الثمن للغاية، فكوني حريصة في نقله، فقيمته قد تعادل راتبك الشهري!”

شعرت بوغز مؤلم في صدري، غصّة حارقة كادت تمنعني من التنفس. لم تردّ ليلى على كلام صافي المستفز، بل استمرت في طريقها بهدوء بالغة. لكن صافي استمرت في تعاليها، متمسكة بذراعي وقالت بصوت مسموع:
“أنت ترى يا حبيبي؟ أصبحت هذه الأماكن تستعين بنوعيات غريبة.. انظر إلى حذائها البسيط، كيف ستتعامل مع فستان بآلاف الجنيهات؟ هيا يا شاطرة، انجزي وأحضري المقاس!”

وقفتُ عاجزاً، كالتمثال المصنوع من طين، لا أستطيع النطق ولا الدفاع عن كرامة امرأة كانت يوماً ملكة بيتي. كانت ليلى تعود ومعها الفستان المطلوب، وعيناها تحملان نظرة عميقة خالية تماماً من الحكره، لكنها مليئة بالاستغناء التام. قدمت الفستان باحترام مهني كامل، ثم استأذنت بالانصراف بهدوء يفتقر إليه كل من حولها.

الفصل الثالث: ندم المتأمل وصحوة الضمير
خرجت صافي وأنا أتبعها بخطى مكسورة، لكن شيئاً عميقاً في داخلي كان قد تغير للأبد. طوال طريق العودة، كانت صافي تتحدث بنبرة متعالية عما جرى، منتقدة كل شيء، بينما كان عقلي وروحي محصورين داخل ذلك المحل الصغير مع ليلى. تذكرت كيف تركتها، وككيف فرطت في الأمان والهدوء بحثاً عن السراب والضجيج.

أدركت حينها أن الطلاق لم يكن سوى خطيئة ارتكبتها بحق نفسي وبحق إنسانة نقية لم ترتكب ذنباً سوى أنها منحتني السكينة. المقارنة بين صافي بصخبها المفتعل واستهتارها بمشاعر الآخرين، وبين ليلى بعزيمتها وصبرها وشموخها وهي تعمل بشرف وكرامة، جعلتني أحتقر نفسي لدرجة لا تُحمل.

في تلك الليلة، لم أستطع النوم. قضيت ساعات الليل أتقلب في فراشي، وأنا أتخيل إيدي ليلى الناعمتين كيف تحولتا إلى أيدٍ عاملة تكافح من أجل البقاء. أدركت أن الحياة التي اخترتها مع صافي هي سجن حقيقي من الزيف والمظاهر الخاوية. وفي صباح اليوم التالي، اتخذت قراري الحاسم والنهائي.

جلست مع صافي بكل هدوء وبرود لم تكن تتوقعه، وأخبرتها أن طريقنا قد افترق تماماً، وأنني لا أستطيع الاستمرار في حياة تقوم على الاستعلاء والمظاهر الفارغة. ثارت صافي وصرخت وهددت، لكنني كنت قد اتخذت قراري ولن تتراجع خطاي. أنهينا كل شيء بطريقة قانونية، وعادت هي إلى عالمها الصاخب، بينما عدت أنا إلى نفسي، باحثاً عن طريق للتكفير عن خطيئتي الكبرى.

مرت الأيام والأسابيع، وكنت أتردد باستمرار على ذلك المركز التجاري. لم أكن أدخل المحل لكي لا أسبب لها إزعاجاً أو أحرجها، بل كنت أكتفي بالوقوف بعيداً، أراقبها من خلف الواجهة الزجاجية وهي تدير عملها بثقة ونجاح ملحوظين. رأيتها كيف ترقت بفضل تفانيها وأصبحت مسؤولة عن الفرع، ورأيت ابتسامتها الصادقة تعود تدريجياً لتعلو وجهها؛ ضحكة امرأة حاربت ظروفها وانتصرت بجهدها وعزيمتها الخالصة.

الفصل الرابع: الاعتذار الأخير وطي الصفحة
في يوم من الأيام، وبعد أن شعرت أن الشجاعة قد عادت إلى قلبي المكسور، قررت أن أخطو خطوة أخيرة لأريح ضميري، لا طمعاً في استرجاع ما كان، بل اعترافاً بالخطأ واعتذاراً مستحقاً. كتبت رسالة قصيرة وصادقة، أودعتها مع أحد أفراد الأمن الأفاضل ليوصلها إليها، كتبت فيها:”يا ليلى.. أنا أعلنت انفصالي عن صافي، وأدركت حجم الخطأ الفادح الذي ارتكبته بحقك وبحق نفسي. لست أطلب منك العودة، فأن أقل بكثير من أن أستحقك، لكني أرجو منك المسامحة، لعلني أستطيع العرض على نفسي في المرآة مرة أخرى.”

وقفت أنتظر خارج باب المتجر بقلب يخفق بشدة حتى كاد يتوقف. بعد دقائق، رأيتها تخرج من باب المحل. رأتني واقفاً أنتظرها، فلم تهرب ولم تتجاهلني، بل مشت نحوي بكل ثبات، ووقفت أمامي مباشرة.

أخرجت الرسالة من حقيبتها، ومزقتها بهدوء وثبات أمام عيني إلى قطع صغيرة، ثم نظرت إليّ بعينين تملؤهما القوة والصفاء وقالت بنبرة هادئة ومؤثرة:
“المسامحة يا أحمد تُطلب حين تزل الأقدام بظروف قاسية، لا حين تُداس القعيدة عمداً بحثاً عن نزوة أو تغيير. أنا لست أحمل لك أي كراهية، فالكره يحتاج إلى طاقة وأنا لا أملك وقتاً لأضيعه. لكني أصبحت في مكانة أسمى بكثير من أن أتفتت على ذكريات الماضي. لقد بنيت حياتي بنفسي، وعرفت قيمتي الحقيقية.”

استدارت ليلى ومضت بخطوات ثابتة واثقة، يملؤها الفخر والاعتزاز بالنفس، ورنة خطواتها كانت تتردد في أذني كأنها إعلان لانتصار الإرادة على الضعف. بقيت واقفاً وحدي في منتصف المكان، أدركت تماماً معنى أن يفرط الإنسان في الجوهرة باحثاً عن الزجاج الملون، وكيف أن الأوان قد يكون قد فات لإصلاح ما كسره الغرور. لكنني في النهاية، تعلمت الدرس الأقسى في حياتي: أن الكرامة والعمل الشريف هما الرأس الحقيقي للإنسان، وأن الهدوء الحقيقي يسكن في قلوب الأنقياء الذين لا تشوبهم شوائب الزيف.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى