قصص وروايات

بعد رحيل والدي

بعد موت أبويا، عمى الله يرحمه أخدني في حضنه ورباني وكأني ابنه بالظبط، ومكنش بيفرق بيني وبين بنته طيف في أي حاجة. كنت حاسس بالجميل الكبير اللي طوق رقبتي، خصوصاً بعد ما صحته تعبت من تعب السنين. ولما جه الوقت اللي أرد فيه جزء من فضله، حسيت إن الواجب بيفرض عليا أتجوز بنته طيف، مع إني مكنش عندي تجاهها مشاعر حب رومانسية، بس كنت واثق إن العشرة والمودة هتيجي مع الوقت، وإنه أصلاً أبواب الخير اتفتحت قدامي بسبب بيته.

 

وفعلاً، بعد جوازنا بشهر واحد، عمى توفى، ووقتها لقيت نفسي بمسك إدارة الشركة وكل أمور العيلة بداله. في الأول، الحياة كانت ماشية هادئة، بس مع الأسف بدأت النظرة تتغير عندي. بقيت أحس إن طيف بقت فرض عليا، وبدأت تسيطر على دماغي فكرة إني متجوزها لمجرد الوفاء بالجميل مش أكتر، واني محتاج أعيش حياتي بالطريقة اللي أنا عايزها، واني أدور على إنسانة تحرك قلبي بجد.

الشركة بدأت تشهد تطورات كبيرة تحت إدارتي، وعملت تعديلات إدارية واسعة عشان أجيب ناس على وفاق تام مع رؤيتي. وفي وسط الزحمة دي، ظهرت شوق.. سكرتيرة جديدة بجمال هادي وأسلوب راقي لفت انتباه الكل. شوية بشوية، لقيت نفسي بميل ليها عاطفياً بطريقة غريبة، وبقت هي محور اهتمامي في الشغل. بقيت أميزها عن الكل، تاخد أعلى مرتب، وأنا بنفسي كنت براجع شغلها عشان ما تتعبش، وجبت لها مساعدة خاصة تحت إيدها عشان تريحها.

الموضوع اتطور وخرج بره نطاق الشغل. بقيت آخدها معايا في مشتريات تخص شغل الشركة والمظاهر العامة، وفي يوم، وأنا ماشي معاها في المول بنشتري لبس يخص اجتماع مهم، صدفة قابلت طيف مراتي هناك. حاولت أتجاهل الموقف وأعديه بهدوء، لكن طيف قربت وسألتني باستفسار عن سبب وجودنا سوا بالشكل ده. حاولت أرقع الكلام وأقول إن دي ترتيبات خاصة بالعمل والعشاء المرتقب، لكنها طلبت بكل هدوء وبساطة إنها تيجي معانا عشان تشاركنا، وحسيت ساعتها إنها بتفرض وجودها بحقها كزوجة.

لما روحنا المطعم، غصب عني كان اهتمامي منصب بالكامل على شوق. كنت بحاول أبرز وجودها وأخلي القعدة خاصة بينا، وطيف قاعدة بينا بحزن صامت بس بتحاول تحافظ على كرامتها. حتى شوق لاحظت الموقف وقالت لي بصوت واطي: “هو مش غريب إن مراتك معانا كدة؟”. الكلمة دي، وبدل ما تفوقني، جرحت كبريائي، وخلتني أتعمد أبين قد ايه أنا مهتم بشوق أكتر، وأتجاهل وجود طيف تماماً. وفي آخر السهرة، لما الحاضرين افتكروا إن شوق هي مراتي، سكت ومصححتش الغلط، ووصلت شوق لوحدها وبعدين رجعت مع طيف البيت.

في البيت، حصل النقاش الحاسم. طيف واجهتني بهدوء وقالت لي إن الوضع بقى صعب ومجرح لمشاعرها. وهنا أنا، وبكل أسف، انفجرت وقلت لها الحقيقة اللي كانت جلف ومش في مكانها: إني تزوجتها وفاءً لجميل أبوها، لكن قلبي اختار طريق تاني مع شوق، وإني ناوي أطلب شوق للجواز بجد، وإن الحياة بينا هتبقى لمجرد الشراكة الاجتماعية والبيتي بس مش أكتر. طيف سمعتني بصمت تام، دمعة واحدة نزلت من عينها، بس مكنش فيه صراخ ولا انهيار، كان فيه هدوء غريب ومخيف.

وفعلاً، الأيام مشيت، وطلبت شوق للجواز ووافقت. نقلنا وعشنا في الفيلا الكبيرة، وشوق بقت هي الآمرة الناهية في البيت، والكل بيأخد أمره منها. كنت ببرر لنفسي ده بأنها إنسانة ذكية وتستحق تكون صاحبة المكان. طيف فضلت في حالها، ساكتة وبعيدة، لكن الخلافات الإدارية والمادية بدأت تظهر في الأفق من غير ما أنتبه.

في يوم من الأيام، طيف تعبت، وجهت لها واحدة من صديقاتها المقربات عشان تزورها وتطمن عليها. شوق اعترضت بحدة وقالت إن الفيلا ليها نظام وما ينصحش بدخول ضيوف في الوقت ده. طيف حاولت تدافع عن حقها الطبيعي كصاحبة بيت في تستقبل صحابتها في غرفتها، وحصل نقاش حاد بينا. وللأسف، بدل ما أنصف طيف وأراعي حقها في بيتها، انحزت لشوق بشكل كامل، ووجهت لطيف كلام جارح عن إنها بتفتعل المشاكل لمجرد غيرتها، وإني أنا اللي بقرر مين يدخل ومين يطلع بحكم إني المسؤول الأول عن الشركة والمال والأموال.

طيف رفعت راسها وبصت لي بنظرة عميقة خلت دمي يتجمد. مكنتش نظرة ضعف، بل كانت نظرة إنسانة بتشوف الحقيقة بوضوح تام لأول مرة. قالت بصوت هادئ وثابت: “ده بيت بابا يا أستاذ.. ده بيتي أنا قبل ما يكون بيتك، وكل الأصول والورث ده مسجل باسمي بالحق والقانون، ومن حقي أدخل اللي أريحه”.

شوق ضحكت باستهزاء وقالت ببرود: “أبوكي مات، والفيلا دي وكل الإدارة بقت تحت سيطرة جوزي، يعني انتي هنا مالكيش قرار”.

الكلمة دي ولعت نار الغرور جوايا، وبد بدل ما أعقل الأمور، طلعت وراها على السلم وواجهتها بغضب أعمى، وقلت لها إن لولا إدارتي للشركة ووقفتي، كان زمانها مش لقيت حاجة، وإني أنا اللي ماسك كل مليم بإيدي. طيف ردت ببرود مخيف: “الشارع أرحم من بيت فيه شخص ناكر للجميل، بس متستعجلش.. الحق بيرجع لصحابة، والجميل اللي أنت فاكر نفسك تفضلت بيه، لسه حسابه مفتوح قانوني وإداري”.

كلماتها نزلت عليا زي الصاعقة، ومن شدة الغضب والغرور، ومنعاً لأي إحراج قدام شوق، أصدرت قراراً متسرعاً وظالماً بإيقاف المصروفات الشخصية المباشرة لطيف، وطلبت من الخدم عدم تلبية طلباتها الخاصة لحد ما يتم تسوية الخلاف الإداري ده، وكنت فاكر إن ده هيخليها تلين وتيجي تعتذر. شوق كانت واقفة جنبي بتبتسم بغرور وشايفة إن ده انتصار لإرادتها.

لكن اللي حصل كان العكس تماماً. طيف مانهارتش، بل دخلت أوضتها، وقفلت على نفسها، وبدأت من ورا ضهري تحرك خيوط اللعبة بحكمة وهدوء. الخدامة الكبيرة، وبسبب حبها القديم لأبوها، كانت بتدخل لها الأكل والاحتياجات، وفي نفس الوقت كانت طيف بتستعين بأوراق ومستندات قديمة من مكتب أبوها، وبدأت تتواصل مع المحامي القديم للعيلة ومع عمتها الكبيرة في الصعيد.

في الصباح التالي، جه المفاجأة الكبرى. أستاذ مراد، المحامي القديم والوفي لوالد طيف، دخل الشركة والفيلا ومعاه كل الملفات الرسمية والتوكيلات القانونية. وقف قدامي بكل ثقة وقال بنبرة قانونية قاطعة: “من اللحظة دي، تم إلغاء كافة التوكيلات العامة والخاصة اللي كانت ممنوحة لحضرتك، وتم جرد الحسابات وإخطار البنوك بوقف أي تصرف فردي، والبدء الرسمي في حصر التركة وتوزيع ورث المرحوم بالكامل حسب الشرع والقانون”.

الكلام نزل عليا زي الماء الساخن. وقفت مذهول ومش مصدق اللي بيتقال، وشوق كانت جنبي وشها اصفر وبدات تتوتر وتسألني عن حقيقة الموقف المالي. عمت طيف دخلت الصالة في نفس اللحظة ومعاها هيبة الصعيد، وبصت لي نظرة لوم قاسية وقالت: “يا خسارة التربية والجميل اللي أبوها عمله معاك! كنت فاكراك راجل تحافظ على الأمانة، لكن طلعت تجري ورا مصالحك الشخصية وتظلم بنت عمك اللي سابت لك كل حاجة بالحب والأمان”.

“لكن خلاص، اللعب انتهى.. من النهارده، حق طيف هيترد مليمين بمليم، وكل الأصول هترجع لصحابها الأصليين، وأنت هتطلع من الفيلا دي بشنطة هدومك زي ما دخلت أول يوم”.

ساعتها، بصيت لشوق مستني منها كلمة دعم أو وقفة جنبي، لكن الكارثة الحقيقية ظهرت في عيونها. شوق بصت لي بقرف ونفور واضح، وقالت بصوت جاف: “يعني إيه الحسابات متجمدت والفيلا مش ملكك؟! أنت ضحكت عليا وفهمتني إنك المالك الوحيد لكل حاجة؟ أنا مش مستعدة أكمل مع شخص فقد كل أملاكه ومكانته!”

ساعتها حسيت إن القناع سقط عن الكل، وإني خسرت كل حاجة بسبب غروري وسوء تقديري، وعرفت متأخر عاقبة نكران الجميل والظلم الإداري والمادي اللي عملته في إنسانة مصنتش عشرتها ولا حفظت أمانة أبوها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى