
قبل ما حد يرد، صوت خبط قوي رجع تاني على الباب.. لكن المرة دي ماحدش فتح. الخبط اتكرر ثلاث مرات، وبعدين صوت رجولي هادي قال من بره:
افتحوا.. أنا صاحب التوقيع اللي بتدوروا عليه.
الصالة كلها سكتت. مصطفى بصلي بسرعة:
إنتي عارفة الصوت ده؟
هزيت راسي ببطء:
لا.. لكن قلبي كان بيقول العكس.
الراجل الكبير راح ناحية الباب وقال بحذر:
إثبات هوية الأول.
لكن قبل ما يفتح، الصوت من بره قال جملة خلت الكل يتجمد:
أنا الشخص اللي كان بيدير كل حاجة من أول يوم.. والغسالة، والشقة، والبلاغات كلها كانت خطوة واحدة بس علشان أصل للحظة دي.
حماتي همست:
يا ساتر.. إحنا اتلعب بينا؟!
مصطفى بصلي تاني، بس المرة دي بصته كانت مختلفة:
نيرمين.. قولي الحقيقة.
والباب بدأ يتفتح ببطء شديد.. واللي دخل أول ما ظهر، كان ماسك ظرف أسود مكتوب عليه اسم واحد بس: اسمي أنا!
الظرف الأسود وقع على الترابيزة قبل ما أي حد ينطق. الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت الورق وهو بيتحرك كان واضح. مصطفى بصلي:
إيه ده يا نيرمين؟
أنا ما اتحركتش. الراجل اللي دخل وقف في النص وقال بهدوء غريب:
اقرأوا.. بدل ما تفضلوا تلفوا حوالين نفسكم.
الراجل الكبير فتح الظرف الأول، طلع منه ورقة واحدة بس. بمجرد ما عينه جريت على السطر الأول، وشه اتشد. الموظف قرب بسرعة:
في إيه؟
الراجل الكبير قرأ بصوت منخفض:
إقرار إدارة مشتركة مؤرخ قبل الجواز بثلاث شهور.
حماتي صرخت:
قبل الجواز؟!
مصطفى لف بسرعة:
إدارة إيه؟! إنتي وقعتِ على إيه؟!
بصيت له لأول مرة بنبرة ثابتة:
ما وقعتش على حاجة لوحدي.
سكت ثانية، وبعدين كملت:
ده كان شرط من أبويا.
الصمت اتغير.. المرة دي مش صدمة بس، دي محاولة فهم. الموظف بص للورقة:
الإمضاء هنا باسمك وباسم طرف ثالث.. بس مذكور إن الطرف الثالث له حق إشراف مش ملكية.
الراجل اللي دخل ابتسم ابتسامة خفيفة:
بالظبط.. أنا الطرف الثالث.
مصطفى:
إنت؟!
الراجل هز راسه:
أنا كنت المسؤول عن متابعة الاتفاق من البداية.. مش علشان أتحكم، لكن علشان أتأكد إن محدش يخرج عن الشروط.
حماتي:
شروط إيه دي اللي مخلية حياتنا كلها محاكم؟!
الراجل رد بهدوء:
شروط حماية.. مش عقاب.
سكت لحظة، وبعدين كمل وهو يبص لمصطفى:
المشكلة مش في الورق.. المشكلة في اللي حصل لما الورق اتسيب ومفيش احترام بين الأطراف.
مصطفى بصلي، صوته أهدى:
يعني إنتي كنتي عارفة بكل ده؟
هزيت راسي:
عارفة إن في نظام.. بس ماكنتش متخيلة إنه هيتكسر بالشكل ده.
الراجل الكبير قفل الملف:
النهارده هنمضي واحد من اتنين.. يا نعيد تفعيل الاتفاق بشروط واضحة ومكتوبة، يا ننهيه نهائياً وكل طرف يتحمل نتيجة قراراته السابقة.
حماتي بصت حوليها، صوتها مكسور:
يعني كل اللي حصل ده كان اختبار؟
الراجل رد:
كان مرآة.
سكتت الصالة لحظة طويلة.. وبعدين مصطفى أخد نفس عميق وبصلي:
وأنا اختار إيه؟
قبل ما أرد، الباب اتقفل من نفسه فجأة، والظرف الأسود اتفتح لوحده على الترابيزة.. وورقة جديدة ظهرت جوه مكتوب فيها سطر واحد بس:
“الاختيار الحقيقي مش في العقد.. الاختيار في مين هيفضل يحافظ على البيت بعد ما يعرف الحقيقة.”
الورقة اللي في الظرف سكتت المكان أكتر من أي كلام اتقال قبل كده. مصطفى قرّب وبص للسطر مرة ومرتين:
مين كاتب الكلام ده؟!
الراجل اللي دخل أول مرة بصله وقال:
اللي كاتب ده عارف إنكم وصلتم للنقطة الصح.
حماتي بصت حواليها بتوتر:
نقطة صح إيه؟ إحنا بنتهد!
الراجل الكبير فتح الملف تاني، بس المرة دي كان بيقلب بسرعة كأنه بيدوّر على حاجة محددة، وفجأة وقف عند صفحة كانت مطوية جوه الملف من زمان. سحبها بهدوء وقال:
دي آخر بند ما اتقريش.
الموظف قرب:
إيه البند؟
قرأ:
“في حالة انهيار الثقة داخل المنزل، يتم تعليق جميع الصلاحيات مؤقتاً، ويُعاد تقييم الطرفين من خلال قرار مشترك وليس طرف واحد.”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
يعني ببساطة.. مفيش حد يفرض حاجة على التاني تاني.
مصطفى رفع عينه:
يعني لا غسالة تتباع ولا أوامر تفرض؟
الراجل هز راسه:
ولا أي حاجة تتحرك من غير اتفاق.
حماتي همست:
وده معناه إيه دلوقتي؟
الراجل بص لها:
معناه إن البيت ده لازم يتبني من الأول.. أو ينهار رسميْا.
الصمت وقع تاني، لكن المرة دي أنا اللي اتكلمت:
يبقى نبدأ من جديد.. بس بشروطنا إحنا.
كل العيون اتجهت لي. مصطفى:
شروط مين؟
بصيت له مباشرة:
شروط الاحترام.. قبل أي حاجة.
سكت.. وبعدين الراجل اللي كان ماسك الملف قال:
كويس.. يبقى لازم توقيع جديد.
طلع ورقة بيضا وحطها على الترابيزة:
دي أول مرة العقد بيتكتب من غير سيطرة طرف على طرف.
حماتي بصت للورقة وكأنها مش مصدقة:
إحنا نكتب حياتنا بإيدينا؟
الموظف ابتسم أخيرًا. مصطفى بصلي:
وإنتي موافقة؟
سكت لحظة، وبعدين قلت:
أنا مش بس موافقة.. أنا كنت مستنية اللحظة دي من الأول.
أول ما مسك القلم.. النور رجع في الشقة فجأة! لكن المرة دي ماكانش نور عادي، كان نور هادي كأنه بداية صفحة جديدة فعلاً. والباب اللي كان بيقفل ويترنح من شوية، اتفتح لوحده على هدوء.
برا ماكانش في حد، بس كان في جملة مكتوبة على ورقة صغيرة متعلقة في الباب من بره:
“لما القرار يبقى مش خوف ولا سيطرة.. ساعتها بس البيت يفضل واقف.”
مصطفى مد إيده بسرعة وفك الورقة من على الباب، قرأها بصوت منخفض، وسكت لحظة وبص حواليه:
مين اللي بيحط الكلام ده كل شوية؟
الراجل اللي ماسك الملف قال بهدوء:
مش مهم مين.. المهم الرسالة وصلت.
حماتي قعدت على الكرسي وكأن كل طاقتها خلصت:
إحنا كنا بنكسر بيتنا بإيدينا؟
محدش رد عليها.. بس أنا كنت شايفة الحقيقة أوضح من أي وقت. الراجل حط الورقة البيضا قدامنا تاني:
هنكتب الاتفاق الجديد دلوقتي، أو نسيب كل حاجة تنهار لوحدها.
مصطفى بصلي:
تكتبي إيه في الاتفاق ده؟
أخدت نفس هادي وقلت:
ثلاث حاجات.. أول حاجة: مفيش قرارات فردية تخص البيت أو أي حاجة فيه. تاني حاجة: مفيش تدخل خارجي في حياتنا إلا بالاحترام والحدود. تالت حاجة: أي خلاف يتحل بالكلام.. مش بالتصرفات أو المفاجآت.
الراجل الكبير هز راسه:
بنود بسيطة.. لكن أساسية.
حماتي رفعت عينيها:
يعني خلاص أنا ماليش كلمة؟
بصيت لها بهدوء:
لكِ كلمة.. بس مش أمر.
سكتت. مصطفى مسك القلم وبصلي لحظة طويلة.. وفي اللحظة دي كان واضح إنه لأول مرة مش بيختار بيني وبين حد، لكنه بيختار شكل حياته. وقع اسمه، وبعده الراجل وقع، وبعدين أنا وقعت.
أول ما القلم اتشال من الورق.. حصلت حاجة غريبة. كل الأوراق القديمة في الملف ابتدت تتقفل لوحدها، كأنها بتختفي واحدة واحدة. الموظف ابتسم:
كده العقد القديم انتهى فعلاً.
لكن قبل ما أي حد يفرح أو يرتاح، الموبايل بتاع مصطفى رن تاني.. رقم مجهول. المرة دي هو بصلي وقال:
مش هرد.
وقفل المكالمة فوراً.. بس بعد ثواني، جَت رسالة واحدة بس على الشاشة:
“كويس إنك اخترت.. بس في اختيار تاني لسه ما اتعملش.”
مصطفى قرأها بصوت واطي وبصلي:
اختيار إيه تاني؟
سكت المكان كله.. والموظف بص للملف وقال لأول مرة بنبرة مختلفة:
في طرف رابع ماكانش بيحرك العقد.. كان بيختبره.
رفعت عيني:
يختبره؟
الراجل الكبير قال:
وكان مستني يشوف البيت ده هيثبت ولا هينهار.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
والاختبار لسه ما اتقفلش نهائياً.
الصمت اللي في الشقة كان تقيل لدرجة إن صوت النفس نفسه بقى مسموع. مصطفى بص للرسالة على موبايله تاني:
اختبار إيه تاني؟ إحنا مضينا خلاص!
الراجل الكبير رد بهدوء:
المضي على الورق مش نهاية الاختبار.. ده بداية المرحلة الأخيرة.
حماتي رفعت صوتها لأول مرة من وقت طويل:
يعني إيه مرحلة أخيرة؟ إحنا مش ناقصين!
الموظف فتح الملف بسرعة وبص على صفحة كانت متثبتة بدبوس قديم:
هنا مكتوب إن الاستقرار الحقيقي ما بيتقاسش بالاتفاقات.. بيتقاس بالتصرف وقت الضغط.
بص لنا واحد واحد:
والضغط الحقيقي لسه ما حصلش.
قبل ما حد يسأل، فجأة النور في الشقة بدأ يضعف تاني.. لكن المرة دي مش انقطاع كامل، كان وميض غريب كأن الكهرباء نفسها بتتردد. مصطفى بص حواليه:
ده كمان جزء من الاختبار؟!
الراجل اللي كان ماسك الظرف الأسود هز راسه:
لأ.. ده تحذير.
وفجأة.. صوت خبط خفيف رجع على الباب مرة واحدة بس. لكن محدش فتح.. والباب نفسه بدأ يتحرك ببطء، كأنه بيتفتح من غير إيد.
حماتي تمسكت في الكرسي:
يا ساتر.. مش كفاية لحد كده؟
الراجل الكبير قال بنبرة هادية:
اللي جاي مش هدفه يخوفكم.. هدفه يكشف الحقيقة الأخيرة.
الباب اتفتح نص فتحة.. ومفيش حد دخل، بس على الأرض قدام الباب كان في ظرف صغير جداً، مختلف عن كل اللي قبله. مصطفى انحنى بسرعة وفتحه، طلع ورقة واحدة بس وقرأ بصوت مبحوح:
“آخر سؤال.. مين فيكم مستعد يختار البيت حتى لو خسره؟”
سكت.. ورفع عينه ببطء. بصلي وبص لأمه وبص للراجلين. لكن المرة دي مفيش إجابة سهلة، لأن في اللحظة دي.. الاتفاق كله توقف، وكل حاجة بقت معلقة على كلمة واحدة بس، ممكن تقلب كل اللي اتبنى من أول القصة!
مصطفى فضل ماسك الورقة ساكت، والهدوء في الشقة بقى أثقل من أي صوت. حماتي بصت له وهي لأول مرة صوتها مكسور:
يعني إيه نخسر البيت؟ إحنا عمرنا ما فكرنا نخسره!
الراجل الكبير قال بهدوء:
ساعات الناس بتخسر البيت وهي فاكرة إنها بتحافظ عليه بالخوف، أو السيطرة، أو التدخل الزايد.
بص ناحيتي:
والسؤال الحقيقي دلوقتي مش مين الغلطان.. السؤال: مين مستعد يغير طريقته؟
مصطفى خد نفس طويل وبصلي:
أنا فاهم إني غلطت لما سبت الأمور تكبر بالشكل ده.
وبعدين لف ناحية أمه:
ومش هينفع أي حاجة تتحل لو هفضل ساكت على حساب بيتنا.
حماتي دموعها نزلت بصمت:
أنا كنت فاكرة إني بحميكم مش بهدمكم.
أنا قربت خطوة واحدة:
اللي بيحمي بيبني.. مش بيفرض.
سكتنا كلنا لحظة طويلة. الراجل اللي ماسك الملف قفل الظرف الأسود بهدوء وقال:
تم انتهاء الاختبار.
وفجأة.. كل الأوراق اللي كانت في المكان اختفت من على الترابيزة كأنها ما كانتش موجودة أصلاً! النور استقر، والصالة رجعت طبيعية لأول مرة. الباب اتقفل بهدوء لوحده.. الراجلين خرجوا من غير ما يقولوا أي كلمة زيادة.
فضلنا إحنا التلاتة بس. مصطفى بصلي وقال بصوت هادي:
هنبدأ من جديد.. بس المرة دي بجد.
حماتي مسحت دموعها وقالت:
وأنا هحاول أتعلم أسكت.. قبل ما أفرض.
أنا ابتسمت ابتسامة صغيرة:
وأنا هتعلم أقول اللي جوايا بدري.. قبل ما يتراكم.
وساعتها بس، الشقة دي ماكنتش مجرد مكان.. كانت بداية بيت اتولد من جديد، مش من الورق.. من الاختيار!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




