قصص وروايات

بعد ما بنتى رحلت

فضل شهور ييجي يسأل لو حد عنده أي معلومة عنك أو عن الطفل. وبعدين جه بعدها بسنة وبعدها بكام سنة.
قلت وأنا مش مصدقة:

يعني كان بيدور على آدم طول الوقت؟

على حد علمي عمره ما بطل.

رجعت البيت وأنا حاسة إن عشر سنين من حياتي محتاجة تتكتب من الأول.
فتحت صندوق سارة القديم.. دورت في كل حاجة: صور، ورق، دفاتر.
لحد ما لقيت صورة تانية لعمر، لكن المرة دي كان مكتوب وراها بخط سارة: “أنا وعمر أول يوم بعد كتب الكتاب.”
قعدت على الأرض، حطيت إيدي على بقي وأنا بعيط.
وفجأة سمعت:

تيتة؟
رفعت عيني.. آدم كان واقف على الباب، وبص للصورة:

ده مين؟
كنت على وشك أخبيها، لكن وقفت وبصيت لحفيدي.
عشر سنين وهو بيسألني سؤال واحد: مين بابا؟
والنهارده، لأول مرة، كان عندي إجابة.
قلتله:

اسمه عمر.
قرب مني:

مين عمر؟
بلعت ريقي:

أبوك.
اتسعت عينيه وقعد جنبي بسرعة:

إنتِ عرفتيه؟!

عرفت جزء من الحقيقة ولسه بدور على الباقي.

هو كان عارف بيا؟
المرة دي ماقولتش معرفش، قلت:

أيوه.
وشه اتغير:

وكان عارف من الأول؟

أيوه يا آدم.
سكت لحظة، وبعدين سأل السؤال اللي كنت خايفة منه:

أمال فين هو؟
مسكت إيده:

الظاهر إن الموضوع مش زي ما كنا فاكرين.

يعني إيه؟

مامتك وأبوك كانوا متجوزين.
آدم فتح بقه من الصدمة:

متجوزين؟!

أيوه.

وإنتِ ماكنتيش تعرفي؟
هزيت راسي:

لأ.
سكت شوية، وبعدين قال:

طب هو سابها؟

لأ.
وققبل ما أكمل، حسيت إني لازم أتأكد من كل كلمة الأول:

اللي عرفته لحد دلوقتي إن أهله فرقوهم عن بعض لما عرفوا بالجواز والحمل وإن أبوك حاول يرجعلها.
آدم سألني:

وحاول يلاقيني؟
بصيتله:

أيوه.
عينيه اتمَلّت دموع، لكنه ماعيطش، وقال بصوت واطي:

يعني هو ماكانش ناسي إني موجود؟

لأ يا حبيبي.

قضيت الليلة كلها أدور على عمر.
الاسم اللي على قسيمة الجواز ساعدني، وبعد ساعات من البحث وصلتله.
فضلت أبص لحسابه فترة طويلة؛ كان هو، كبر طبعًا لكن نفس الملامح.
بعتله رسالة:
“أنا إلهام والدة سارة.”
ماكنتش محتاجة أكتب أكتر.
الرد جه بعد أقل من دقيقة:

آدم فين؟
شهقت.
وبعدها وصلت رسالة تانية:

أرجوكي قوليلي إنه بخير.
وبعدين رسالة تالتة:

أنا بدور عليكم من عشر سنين.
إيدي بدأت تترعش.. اتصل بيا.
فضل الموبايل يرن في إيدي، وفي الآخر رديت.
أول ما فتحت الخط، سمعت صوته:

آدم عايش؟

عايش.
سمعت نفسه يتقطع، وبعدين سمعته بيعيط. راجل ما شفتوش من عشر سنين، بيعيط على الطرف التاني وبيقول:

الحمد لله.. الحمد لله.
سكت شوية وبعدين قال:

أنا دورت عليكم في كل حتة.

عشر سنين يا عمر.

عارف.. عشر سنين كاملة.
رد بصوت مكسور:

وأنا أقدر أثبتلك إني ما بطلتش أدور يوم واحد.

اتقابلنا تاني يوم. عمر ماجاش بإيده فاضية، وحط قدامي ملف كبير.
فتحته.. كان فيه بلاغات بحث، خطابات قديمة، صور من إعلانات نشرها وهو بيدور علينا، مراسلات مع المستشفى، وحتى خطابات كان باعتها على عنوان بيتنا القديم وكلها رجعتله لأن محدش كان موجود.
وبعدين طلع علبة صغيرة وفتحها.. كان جواها جوانتي بيسبول صغير للأطفال.
قال:

اشتريته لما آدم كان عنده خمس سنين.
بصيتله.. فقال:

كنت متخيل إني لما ألاقيه، آخده ألعب معاه.
صوته اتهز:

كل سنة كنت بشتريله هدية عيد ميلاد وأحطها عندي.

ليه ماوصلتش للشرطة؟

وصلت..
وشاور على الملف:

حاولت بكل الطرق اللي قدرت عليها. لكن أنا ماكانش معايا شهادة ميلاد آدم، وماكنتش أعرف إنتِ سجلتيه إزاي، وبعد ما غيرتي مكانك كل الخيوط وقفت.
سكت لحظة، وبعدين قال:

لكن عمري ما اعتبرت إن ابني ضاع مني.
بصيتله:

سارة ماتت وهي فاكرة إنك ممكن ترجع.
دموعه نزلت، وقال:

أنا رجعت.. بس رجعت متأخر.

آدم عارف إنك موجود.
رفع عينه بسرعة:

قولتيله؟!

قولتيله إنك أبوه وإنك كنت متجوز أمه.
قفل عينه للحظة، وبعدين سأل:

هو عايز يشوفني؟

السؤال مش إنت عايز تشوفه قد إيه يا عمر.

أمال إيه؟

السؤال آدم مستعد يشوفك إمتى.
هز راسه فورًا:

هستنى.. حتى لو قال لأ؟ هستنى.. حتى لو خد وقت؟
قال من غير تردد:

استنيته عشر سنين.. أقدر أستناه لحد ما هو يبقى مستعد.

ولأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة، حسيت إن الراجل اللي قدامي مش أب ظهر فجأة بعد عشر سنين، ده أب كان بيحاول يرجع لابنه من عشر سنين.. والطريق بينهم هو اللي كان ضايع.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى