قصص وروايات

احنا لحد هنا علاقتنا خلصت

من اللحظة دي، ابتدت جحيم جديدة تفنن فيها بكل خسة إنه يدبحني بالبطيء.
المأذون مشي، والزغاريد ملت البيت، وأنا كنت واقفة ساندة ضهري على الحيطة زي الميتين، مش مصدقة إن خلاص كل حاجه اتقفلت بالضبة والمفتاح، وبقى رسمي مكتوب على اسم أختي.
فجأة لقيته بيلف ناحيتي والابتسامة الخبيثة الصفرا بتنور وشه، طلع تليفونه من جيبه ومده في إيدي وقال بصوت عالي سمّع الصالة كلها
معلش يا نور بقى، هنتعبك معانا مسكي تليفوني صورينا كام صورة للذكرى، أصل اليوم ده مش هيتعوض، ولا إيه؟
مريم ضحكت وقالت بحسن نية أيوه يا نور بالله عليكي صورينا حلو عشان ننزلهم!
إيديا كانت بتترعش والتليفون تقيل في إيدي كأنه حتة فحم قايدة. رفعت الكاميرا وعيني بتزغلل، وهو هنا ابتدى العرض المريض بتاعه.
وقف في نص الصالة، ومرة واحدة لف دراعاته الاتنين حوالين وسط مريم وشالها ولف بيها في الهوا! مريم شهقت بكسوف ودلعت وهي بتضحك ومسكت في رقبته، وهو نزلها بالراحة خالص وشه في وشها لدرجة إن أنفاسهم كانت واحدة. كل ده وعينه مش على مريم عينه كانت باصة لعدسة الكاميرا مباشرة، كأنه باصص في نني عيني وبيقولي شايفة؟ اللي كان حلمك، أنا بدوس بيه على قلبك.
قرب منها أكتر، حط كفه على خدها ومسح عليه برقة مصطنعة وهو بيميل يهمس في ودنها بكلام خلى وشها يحمر وضحكتها ترن في الشقة، وبعدين باس خدها بوسة طويلة متتعملش غير قدام كاميرا مقصودة. مريم اتكسفت وخبّت وشها في صدره، وهو شد عليها بحضن جامد ورفع حاجبه ليا من ورا شعرها، بابتسامة نصر حقيرة كلها شماتة.
صوابعي كانت بتدوس على زرار التصوير أوتوماتيك، والدموع محبوسة في عيني بالعافية بتحرق نني عيني وكل طقة فلاش كانت زي خنجر بيغرز في صدري ويطلع، وهو مستمتع بوجعي، بيعصر قلبي بإيده على البارد ومن غير ما حد من اللي حوالينا يحس بحاجة.
خلصت الصور بالعافية، ومسكت التليفون وأنا حاسة بضوافري بتغرز في راحة إيدي من كتر ما كنت بكتم رعشتي. مديت إيدي بالتليفون وأنا موطية راسي مش قادرة حتى أرفع عيني فيه، بس هو كان قاصد يكمل للاخر.
وهو بياخد التليفون، لمس صوابعي ببرود وبطء متعمد، وقرّب صوته وهو بيبص في الصور ويقول بمياعة مقززة
تسلم إيدك يا نور، كادرك تحفة بصي يا مريومة طالعين مع بعض قمر إزاي، أصلاً أنا من غيرك مكنتش هعرف يعني إيه حب بجد.
مريم شبطت في دراعه كأنها ملكت الدنيا، قالت وهي بتبصلي بعيون بريئة بتلمع عقبالك يا نور يا رب، وأشوفك أسعد واحدة وتلاقي اللي يحبك كده.
الكلمة طلعت منها بريئة وطاهرة، بس نزلت على صدري زي مية النار. مسكت نفسي بالعافية وابتسمت ابتسامة باهتة مشلولة، وقولت بصوت مبحوح مبروك يا حبيبتي هدخل بس الحمام أظبط الطرحة.
جريت على الحمام، قفلت الباب بالترباس وسندت ضهري عليه، وركبي خانتني ونزلت على الأرض. حطيت إيدي الاتنين على بقي وكاتمة صوت شهقاتي اللي كانت بتطلع بالعافية، صدر بيطلع وينزل كأني بغرق.
القهرة كانت أكبر من إني أعيط عادي؛ هو مش بس كسرني، ده استعمل أختي، حتة من روحي، عشان يذلني بيها في كل ثانية. بيوريني كل اللي كان بيوعدني بيه وكنت بحلم بيه وأنا ماسكة إيده وواثقة فيه، وبيطبقه بالمسطرة مع أختي عشان يثبتلي إني ولا حاجه.
وفجأة وأنا على الأرض، جالي إشعار رسالة على تليفوني.
فتحت الشاشة بإيد بترتعش، كان رقم غريب، بس أول ما فتحت الرسالة عرفت إنه هو كان باعتلي واحدة من الصور اللي أنا لسه مصوراها ليهم حالا، وهو حاضن مريم وباصص للكاميرا، وكاتب تحتها كلمتين اتنين بس
عقبال ما تصورينا في الفرح يا شاطرة ولا عندك اعتراض؟ غسلت وشي بمية متلجة، ووقفت قدام المراية بحاول ألملم نفسي وأبلع القهرة اللي كاوية قلبي. أخدت نفس عميق وفتحت باب الحمام عشان أتسحب على أوضتي وأقفل على نفسي وملمحش وشه تاني.
بس وأنا خارجة في الطرقة الضيقة، اتفاجئت بحد واقف ساند ضهره على الحيطة ومستنيني. ودى كانت المفاجأة اللى غيرت كل حاجه
رفعت عيني بخضة وكنت هصرخ، لقيته طارق أخوه الكبير.
طارق كان عكسه في كل حاجة؛ راجل هادي، ملامحه رجولية بجد، ومالوش في اللف والدوران ومبيضحكش في الفاضية والمليانة زي أخوه. من أول يوم جم فيه البيت وهو قليل الكلام، بس عينيه كانت دايماً متابعة كل تفصيلة.
أول ما شافني طالعة وعيني حمرة من العياط، عدل وقفته وبصلي بنظرة كلها وجع واهتمام

حقيقي، وقرب خطوة وقال بصوت واطي بس حنين يربك
أنتي كويسة يا نور؟
اتلجمت، ورجعت خطوة لورا وركبي بتخبط في بعض أ أه، كويسة، عن إذنك.
جيت أعدي من جنبه، بس هو وقف قدامي بهدوء ومن غير ما يلمسني، عينه كانت مركزة في عيني بطريقة خلت قلبي يدق من الخوف والربكة. بص على باب الصالة ورجع بصلي وقال بنبرة هادية بس تقيلة أوي
أنا مش أعمى يا نور وشايف كل حركة وكل بصة بتتعمل من ساعة ما دخلنا البيت ده. شايف الرخص اللي بيعمله، وشايف كمان حزنك وكسرة عينك اللي أنتي فكراها مدارية.
فتحت عيني بصدمة وحسيت الهوا طار من صدري، لساني اتشل ومكنتش عارفة أنطق بكلمة واحدة.
طارق كمل وهو بيقرب أكتر، وصوته كان فيه صدق غريب ومشاعر واضحة مفيهاش ذرة تمثيل
من أول دقيقة عيني جت في عينك وأنا مش قادر أشوف غيرك أنتي مش مكانك هنا، ولا تستاهلي المعاملة دي ولا الوجع ده من حد. لو كان هو فاكر إنه داخل البيت ده عشان يلوي دراعك ولا يذلك، ف هو ناسي إن البيت ده فيه راجل تاني عينه عليكي ومش هيسمح لشعرة منك تتأذى.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، كنت باصة له ومش مستوعبة، مكنتش مصدقة إن اللي كان مراقب ومستوعب النار اللي أنا فيها، واللي طلع شايل في قلبه مشاعر ليا من أول لحظة يبقى هو نفسه أخو الراجل اللي دبحني.
فضلت واقفه مبرقة فيه، الهوا طار من صدري والدم هرب من عروقي. كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا وصوته بيرن في ودني ومش قادرة أستوعب كلمة واحدة.
طارق؟ أخوه الكبير؟ الراجل الهادي اللي كان قاعد طول القعدة راسي ومبيتكلمش، هو ده اللي مركز معايا ومع تفاصيلي وعارف اللي بين السطور؟
رجعت خطوة لورا بخوف وضهري خبط في باب الحمام، صوتي طلع مهزوز ومخنوق
أنت أنت بتقول إيه؟ ابعد عني لو سمحت، اللي فيا مكفيني ومش ناقصة جنان!
جيت أتحرك وأجري من جنبه، بس هو فضل واقف مكانه، ممدش إيده عليا ولا حاول يلمسني، بس نظرة عينيه كانت مثبتاني في مكانى، نظرة مليانة حزم مع حنية غريبة أول مرة أشوفها في راجل.
اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه بيحفر كل كلمة في قلبي
مش هبعد يا نور ومش جنان. أنا شوفتك من شهور لما كنتي بتوصلي أختك وبتستنيها تحت، ومن يومها وأنتي في بالي. ولما هو جه وقال إنه عايز يتقدم لمريم، أنا حسيت إن في حاجة غلط ولما شوفت نظراته ليكي وابتسامته الصفرا وهو بيلبسها الخاتم، وشوفت عينيكي اللي كانت بتنزل دموع بدل الدموع دم اتأكدت.
حطيت إيديا الاتنين على وشي وبدأت أعيط بهستيريا من غير صوت، خايفة حد من الصالة يسمعنا. قرب خطوة واحدة، وصوته هدي أكتر وبقى أدفى
متعيطيش دموعك دي بتدبحني أنا. هو واطي، وأنا عارف أخويا وطينته كويس. فاكر نفسه كسرِك عشان لبس مريم الخاتم قدامك وبيغيظك بيها؟ والله العظيم ما هسيبه يتهنى باللي عمله، ولا هسيبك تدبحي نفسك في السكات.
رفعت وشي وبصيتله بكسرة وسألته بقهر
وهتعمل إيه يعني؟! خلاص كتبوا الكتاب! مريم أختي حتة من روحي، لو عرفت هتموت، وبابا لو عرف هيتكسر، وأنا أنا نهايتي هتبقى الفضيحة!
ابتسم ابتسامة هادية كلها ثقة ورجولة، ومسح دموعه هو اللي كانت محبوسة، وقال وهو بيبص في نني عيني بجدية ترعب
مفيش فضايح هحصل، وأختك هتفوق وتعرف حقيقته في الوقت المناسب ومن غير ما تتأذي أما أنتي، ف ليكي راجل هيعرف إزاي يخلي الواطي ده يندم على اليوم اللي فكر فيه يجرحك. أنا مش هسيبك يا نور، وسرك في بير معايا لحد ما أقفل الحساب معاه بمعرفتي.
وفجأة، سمعنا صوت مريم وهي بتنادي من الصالة بدلع
نور! أنتي فين كل ده؟ طارق فين كمان، مش كان وراكي؟ تعالوا نشرب الشربات!
بصينا لبعض في ثانية واحدة الخوف كان مالي عيني، بس طارق غمزلي غمزة هادية سحبت نص الخوف من قلبي، وهمس
امسحي دموعك وادخلي وخليكي فاكرة، أنتي مش لوحدك من اللحظة دي.
مسحت دموعي بسرعة، ودخلت الصالة ورا طارق والرجفة لسه ماسكة جسمي. أول ما دخلنا، عيني جت في عين الواطي اللي كان قاعد جنب مريم، والابتسامة الصفرا لسه على وشه، باصصلي بتحدي مستفز كأنه مستني يشوفني منهارة أكتر.
قعدنا، وأمي وزعت الشربات، والكل كان فرحان ومريم ساندة راسها على كتف جوزها بدلع. فجأة، طارق حط كاس الشربات على الترابيزة برنة هادية لفتت انتباه الكل، وعدّل قعدته وبص لبابا مباشرة.
الصالة كلها سكتت، وبابا بصله باستغراب خير يا بني؟ في حاجة ولا إيه؟
طارق ابتسم بوقار وهدوء، وتنحنح وقال بصوت جهوري مالي الصالة
خير يا عمي إن شاء الله أنا قولت بدل ما هي فرحة واحدة، نخليهم فرحتين في بيتكم العامر. أنا طالب إيد الآنسة نور على سنة الله ورسوله، وجاهز لكل طلباتكم من الليلة دي، والفرح يكون مع مريم في نفس اليوم لو معندكوش مانع.
الكلمة نزلت زي القنبلة في نص الصالة.
أنا اتسمرت مكاني والكاس كان هيقع من إيدي، وأمي شهقت من الفرحة والمفاجأة، ومريم صقفت بحماس طفولي بجد يا طارق؟! يا ريت يا بابا وافق والنبي ده إحنا نعمل أحلى فرح سوا!
بس الصدمة الحقيقية مكنتش عندي الصدمة كانت عند أخوه!
وشه اتقلب ميت لون، الدم هرب من ملامحه، وعينيه جحظت وهو باصص لطارق بذهول والرعب، ووقف فجأة من على الكنبة وقال بصوت مخنوق ومتردد
إيه اللي أنت بتقوله ده يا طارق؟! أنت اتجننت؟ إزاي تفكر في حاجة زي دي من غير ما تتكلم ولا تلمح حتى؟!
طارق لف وشه ببرود قاتل، وبص لأخوه بنظرة حادة قاطعة خلت التاني يبلع ريقه وينكتم، وقال بنبرة هادية بس سمّعت الكل

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى