قصص وروايات

احنا لحد هنا علاقتنا خلصت

ومالجأش ليه يا عريس؟ هي نور يعيبها حاجة؟ أدب وأخلاق وبنت أصول، ومفيش راجل عينه مليانة ويشوفها وميتمناهاش ولا أنت عندك رأي تاني يخص خطيبتي؟
الواطي اتلجم، وشه بقى أحمر زي الدم، شفايفه بتترعش ومش قادر ينطق بحرف واحد قدام أبوه وأبويا. كان عارف إنه لو فتح بؤه بكلمة، طارق هيكسره، ولو فكر يلمح بأي تهديد، السحر هينقلب على الساحر رسمي وقدام العيلتين.
بابا ابتسم بارتياح كبير، وبص لطارق اللي الكل يشهد بأدبه ورجولته وشغله المحترم، وقال
والله يا طارق يا بني أنت راجل وميتعيبش، وإحنا يشرفنا نناسبك للمرة التانية بس الرأي الأول والأخير للعروسة.
الأنظار كلها لفت وبصتلي، وطارق رفع عينه في عيني بنظرة أمان عمري ما حسيتها في حياتي، نظرة كأنها بتقولي ارفعي راسك، حقك هيرجعلك لحد عندك. بصيت لأخوه اللي كان هيطق ويموت من الغيظ والقهر، وأخدت نفس طويل لأول مرة من شهور، وابتسمت وقولت بصوت واضح
موافقة يا بابا.
الزغاريد رجعت ملت البيت تاني بضعف، وبابا شد طارق في حضنه بحرارة وهو بيقرأ معاه الفاتحة، وماما دمعت من الفرحة إن بناتها الاتنين هيتجوزوا في ليلة واحدة.
في وسط الهيصة دي كلها، وائل كان واقف زي المجنون، عينيه بتطق شرار، وعروق رقبته ناطرة من كتر الغيظ والعجز. كل ما حد يباركله على أخوه، يبتسم ابتسامة باهتة تكتم غله بالعافية. كان بيحترق؛ السحر اتقلب عليه، والبنت اللي كان فاكر إنه داس عليها وهيمشيها على عجين ميتلخبطش بتهديده، فجأة بقت خطيبة أخوه الكبير وراسها براسه!
أول ما الكل انشغل في السلامات والكلام، انسحبت بهدوء ودخلت المطبخ عشان أهرب من التوتر وأشرب بق مية يبل ريقي الناشف.
ملحقتش أرفع الكوباية، لقيت خيال أسود بيقفل عليا مدخل المطبخ.
اتخضيت وشهقت، لقيت وائل داخل وبيقفل الباب وراه نص قفلة، وشه كان محتقن وعينيه مبرقة بجنون، قرب مني بخطوات سريعة وصوته كان فحيح واطي زي التعبان
أنتي اتجننتي يا بت أنتي؟! إيه اللي هببتيه ده؟! فاكرة نفسك هتعرفي تلعبي معايا ولا تستغفلي أخويا؟! الجوازة دي تفركشيها دلوقتي، تطلعي تقولي مش مرتاحة ومش موافقة وإلا وقسماً برب العزة يا نور، أنا مش هسيبك!
رجعت خطوة لورا بخوف، وضربات قلبي دقت في وداني، ولساني اتعقد قدام نبرة التهديد.
بس قبل ما أفتح بؤي بحرف، باب المطبخ اتفتح على آخره بضلفته وطاخ في الحيطة!
إيد عريضة قوية نزلت على كتف وائل من ورا وشدته لورا بقسوة خلته يترمي خطوتين لورا ويتخبط في رخامة المطبخ.
طارق كان واقف وعينيه مشتعلة بجمر غير طبيعي. الغيرة والغضب كانوا محولين ملامحه الهادية لوحش كاسر. هو مش بس مضايق من حركات

وائل، هو شاف قربه مني ومحاصرته ليا في المطبخ، والمنظر ده ولّع في صدره حريقة غيرة رجولية مبترحمش.
قرب طارق من وائل خطوة، حط إيده الاتنين في جيوب بنطلونه ومال عليه بجسمه، وصوته نزل لدرجة همس خشنة ترعب
أنت نسيت نفسك يا وائل؟ داخل ورا خطيبتي المطبخ وبتقفل الباب كمان؟
وائل اتلجم، لونه خطف وبقى باهت زي الجير، بص لطارق وهو بيبلع ريقه بصعوبة
ط طارق، أنت فاهم غلط، أنا كنت بس بنصحها، وبقولها تفكر كويس عشان مكنتش حاسس إنكم لايقين على بعض
طارق قرب وشه من وش وائل لدرجة إن أنفاسه الحامية كانت بتخبط فيه، ومسك ياقة قميصه بإيد واحدة وبسرعة خاطفة رفعه من على الأرض سنة، وقال من بين سنانه بكل قسوة
اسمعني ياض يا وائل، عشان أنا مش هكرر كلامي مرتين. اللي كان بينك وبين نور زمان، أنا عارفه تفصيلة تفصيلة، بس كنت مستنيك تنضف وتبطل حركات العيال. نور بقت حرم طارق بيه، خط أحمر يدوس على رقبة أي حد وأولهم أنت.
زقه طارق في صدره زقة خلت وائل يترنح، وكمل بنظرة احتقار قاطعة
امشي اخرج للصالة جنب خطيبتك، وحسك عينك ألمح خيالك في نفس المكان اللي نور واقفة فيه غووور.
وائل خرج وهو بيجر رجليه من كتر الرعب والذل، والباب اتقفل وراه.
أنا كنت واقفة ساندة على الحوض، بنهج وبترعش من الموقف. طارق لف وشه وبصلي كانت أنفاسه لسه سريعة وصدره بيعلى ويهبط، وعينيه مليانة كمية غيرة وحب ملخبطين بعض، قرب مني ووقف على بعد سنتيمترات، وبص في عيني بنبرة حنينة بس باين فيها ناره اللي قايدة
خوفتي منه؟ طول ما أنا في ضهرك، مفيش راجل على وش الأرض يقدر يقرب منك أو يرفع عينه فيكي، فاهمة يا نور؟
فضلت باصة له وعيني مدمعة، الكلمات وقفت في حلقي من كمية المشاعر اللي حسيتها في اللحظة دي. الخوف اللي كان كابس على نفسي تلات سنين، اتبخر قصاد حماته ووقفته قدام أخوه، بس في نفس الوقت ناره اللي كانت باينة في عينيه وهو بيحاصرني بنظراته خلت قلبي يدق في صدري زي الطبول.
مد إيده بتردد خفيف، صوابعه لمست طرف كمي كأنه بيطمن إني مش هبعد، ونزل صوته لدرجة همس كلها غيرة باينة وواضحة
الواطي ده مكنش بيقفل الباب عشان يهدد بس هو مقهور عشان عارف قيمتك اللي ضيعها بغبائه، ومش هيستوعب إنك خلاص بقيتي بتاعتي أنا.
بلعت ريقي بصوت مسموع، وهمست وأنا باصة في الأرض بكسوف ممزوج بوجع قديم
أنا أنا مكنتش عايزة أورطك في مشاكلي يا طارق، هو مريض وممكن يعمل أي حاجه تؤذي أختي أو تفضحني.
رفع دقني بصابعه برقة، وأجبر عيني تيجي في عينه، عينيه كانت ثابتة بحدة ورجولة متتهزش
أنتي متورطتنيش أنتي اللي دخلتي قلبي غصب عني، ومكنسنش ينفع أشوفه بيمارس وساخته عليكي وأقف أتفرج. مريم أختك أمانة عندي زيها زي أختي، وحقك وحقها هيرجعوا في الوقت الصح. بس دلوقتي عايزك تمسحي أي أثر خوف من وشك، فاهمة؟ أنتي مخطوبة لراجل، ومش أي راجل.
أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من غير ما تكون مصطنعة. طارق ابتسم، ابتسامة هادية دافية نورت ملامحه، وبعد خطوة لورا بأدب وهو بيشاور بإيده على الباب
يلا نخرج، أصل مريم زمانها مستنية الشربات، ولا عايزة العيلة تفتكرنا بنحب في المطبخ من أول يوم؟
وشي احمر زي الدم وبصيت في الأرض بكسوف، وهو ضحك بصوت رجولي واطي، وخرجنا سوا.
أول ما دخلنا الصالة، عيني وقعت على وائل؛ كان قاعد جنب مريم، بس مكنش وائل بتاع من شوية. وشه كان شاحب ومطفي، رجليه بتهز في الأرض بتوتر، وكل ما مريم تمد إيدها تمسك إيده، كان يسحبها بتلقائية من كتر الرعب، وعينه مرعوبة تبص ناحية طارق اللي قعد جنب والدي وحط رجل على رجل ببرود وثبات.
طارق رفع كاس الشربات بتاعه، وبص لوائل من طرف عينه بنظرة تحذير صريحة، وبعدين بص لبابا وقال بصوت عالي
عمي بما إننا اتفقنا، أنا حابب إن الدهب وشبكة نور تتبعت بكرة بالكتير، ومش عايز مليم ينقص عن اللي يليق بيها وبأصلها، ومش هنأجل كتب الكتاب عن الأسبوع الجاي إيه رايك؟
وائل في اللحظة دي اتخنق وكح جامد وكوباية المية وقعت من إيده على السجادة، ومريم اتخضت عليه اسم الله عليك يا وائل مالك؟!
طارق بصله بابتسامة نصر باردة جداً، وقال بنبرة مليانة سم
مالك يا عريس؟ الشربات شرقك ولا إيه؟ متقلقش، لسه التقيل ورا.
تاني يوم، النيران كانت قايدة في صدر وائل أكتر، والغل عماه تماماً لدرجة خليته يفقد عقله. طارق نزل الصبح بدري على شغله، ومريم كانت في كليتها، وأنا كنت قاعدة في الصالة بساعد ماما في توضيب البيت.
فجأة تليفوني رن، كان رقم غريب، بس أول ما فتحت الخط سمعت صوت نفسه السريع
أنتي فاكرة الحكاية خلصت بالمسرحية اللي عملتوها في المطبخ؟ طارق مش هينفعك يا نور! قسماً برب العزة لو ما فركشتي المهزلة دي وطلبتي فسخ الخطوبة النهاردة، أنا على وصول عندكم البيت، وهقعد مع أبوكي وأقوله كل حاجه!
الكلمات طلعت منه بتهديد عشان يخليني أترعش زي زمان، وأجري أتحايل عليه وأبوس إيده.
بس الغريب إني محستش بالرعشة.
الخوف اللي كان كابس على نفسي طول السنين اللي فاتت، اتبخر فجأة. حسيت ببرود عجيب بيسري في دمي، وقوة أول مرة أحسها. بصيت للمراية اللي قدامي في الطرقة، وشوفت واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة الضعيفة اللي كانت بتخاف من خيالها.
أنا غلطت زمان لما وثقت في كلب زيه ومشيت وراه وصدقت كلامه المعسول، دي حقيقة ومش هنكرها بيني وبين نفسي بس عمري ما هصلح الغلط ده بغلط أكبر منه، ولا هسمح لنفسي أعيش طول عمرى جارية تحت رحمته، ولا هضحي بمستقبلي وبراجل محترم زي طارق عشان أداري على خوفي!
أخدت نفس طويل، ورديت عليه بصوت هادي وبارد جداً، أبرد من التلج
خلصت كلامك؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى