
ضحكت بمرارة وصوتي يرتجف من قمة القهر:
“حب؟ اللي بيحب حد بيصونه في غيابه قبل حضوره يا ممدوح. اللي بيحب حد مبيحطش أسراره وكلامه على مائدة لسان أهله عشان يهينوه. إنت عارف الوجع اللي في قلبي دلوقتي سببه إيه؟ سببه إني كنت فاكرة إني متجوزة راجل، وطلعت متجوزة شخص بيبيع بيته بأرخص ثمن عشان يرضي غرور أمه وأخته”.
لما رأى أن نبرتي لا تقبل الجدل ولا تراجع فيها، بدأ كعادته يقلب الطاولة ويلقي بالتهم:
“ماشي يا هنا.. إنتي اللي اخترتي العناد. وعلى فكرة بقى، الكلام اللي مكتوب في الرسايل هو الحقيقة! إنتي فعلاً مبقتيش مهتمة، وأهلك دايماً محسسينا إنهم أصحاب فضل عليّ.. أنا كنت بطلع اللي في قلبي لأهلي وده حقي الطبيعي!”
نظرت إليه بذهول تام وقلت:
“حقك؟ حقك تنهش في عرضي وكرامتي وتخون العيش والملح؟ طب والفرصة اللي كنت مستنيها عشان تخلص من عذابك المزعوم.. أهي جت لك يا ممدوح. الباب مفتوح، اخرج بشنطة هدومك، والبيت ده مش هتطأ قدمك تاني أبداً”.
في تلك اللحظة، بدأ هاتفه يرن بإلحاح؛ كانت ريهام أخته. فتحت خط مكبر الصوت (السبِيكر) رغم عنه، فسمعناها تقول بصوت مليء بالشماتة والاستهزاء:
“إيه يا ممدوح، بعتت لك رسالة على الجروب بقولك اعدل الست بتاعتك.. أوعى تكون خفت منها ومن طريقتها! عرفها مقامها وخليها تتعدل”.
أخذت الهاتف من يده ورديت عليها بصوت حاسم:
“الست اللي بتتكلمي عنها يا ريهام، هي اللي كانت سترة لأخوكي ومحافظة على بيته. والرسائل والمحادثات اللي أخوكي كان بيبعتها لكم، أنا صورتها كلها وبعتها لعصام جوزك، وبعتها لكل أفراد العائلة، عشان الكل يعرف إن بيتكم مبيصونش الأمانة، وإن أخوكي شخص بينقل أسرار بيته بكل خسة”.
سكتت ريهام فجأة، وانقطع الاتصال بصوت مرعوب. نظر إليّ ممدوح برعب حقيقي وقال: “إنتي بعتي الشات لعصام؟ أنتي عايزة تخربي بيت أختي؟”
أجبته وانا أفتح له باب الشقة على مصراعيه:
“زي ما هنت كرامة أمي وهنتني في بيتي، هشربكم كلكم من نفس الكاس. اخرج يا ممدوح.. اخرج روح للي حرضوك وشجعوك على قلة الأصل”.
خرج ممدوح مطأطأ الرأس، مكسوراً لا يدري إلى أين يذهب، وأنا أقفلت الباب وراءه بالمفتاح والترباس، وسجدت على الأرض سجدة شكر وبكاء طويل.. بكيت حتى هدأت، وحينها فقط شعرت أن جبلاً هائلاً انزاح عن صدري.
لم يكد يمر وقت قصير حتى بدأ هاتفي يرن بلا توقف؛ إخوتي وأبي رأوا الرسائل التي أرسلتها عبر المجموعات العائلية لقطع الشك باليقين، وكان الغضب يملأ بيتنا.
اتصل بي أبي وصوته يرتجف من شدة الغضب:
“افتحي الباب يا هنا، أنا وإخواتك تحت.. ولو هو لسه موجود عندك، خليه يستشهد على روحه”.
فتحت لهم الباب، ودخل أبي وإخوتي أحمد وكريم، والشرار يتطاير من أعينهم. نظر أبي في عيني وقال بصوت حازم:
“فين هو؟ فين اللي أكل في بيتي وتطاول علينا في غيابنا؟”
قلت له بصوت مكسور لكنه ثابت:
“طردته يا بابا.. طردته بشنطة هدومه، وقفلنا الصفحة دي للأبد”.
أحمد أخي خبط بقبضته على الطاولة وقال:
“مش كفاية الطرد.. الكلام والتشهير ده لازم يتحاسب عليه قانوناً، وقبل القانون، لازم عيلته تعرف إن الله حق”.
في تلك اللحظة، جاء اتصال على هاتفي من عصام، زوج ريهام. فتحت الخط ووضعته على السبيكر أمام أبي وإخوتي. كان صوت عصام يغلي بالغضب وهو يزعق في وجه ريهام ونسمع أصوات تكسير واضحة في الخلفية:
“بقى أنتم عيلة ده طبعكم؟ بتشجعوا أخوكم يطعن في مراته وأهلها من وراء ظهرنا؟ ده أنا لو كنت أعرف إنكم بالسوء ده مكنتش خطوت في بيتكم خطوة واحدة! الرسايل اللي هنا بعتتها لي فضحتكم وفضحت أخلاقكم.. إنتي طالق يا ريهام، وروحي لأخوكِ صانع المشاكل ده ينفعك!”
انقطع الخط، وتبادلنا النظرات بذهول. ممدوح لم يكتفِ بتخريب بيتي وزواجي، بل إن دناءة أفعاله هدمت بيت أخته أيضاً بسبب تواطئهم جميعاً على الباطل.
بعد ساعة تقريباً، رن جرس الباب بقوة؛ كانت حماتي ومعها ممدوح يجر أذيال الخيبة. دخلت حماتي وهي تصوت وتلطم على وجهها:
“خربتي البيوت يا هنا! إنتي إيه يا شيخة؟ مفيش في قلبك رحمة؟ عشان شوية كلام فضفضة تطلقي بنتي وتفضحيه قدام الناس؟”
وقف أبي أمامها كالسد المنيع وقال لها بصوت صارم:
“اخرسي خالص ولا كلمة يا ست إنتي! الكلام ده مش فضفضة، ده قلة أصل وخيانة أمانة وتشهير باللي أكلوه وصانوه. ابنك اللي واقف وراكِ ده باع مراته ونسيبته عشان يرضيكم، إحمدي ربنا إننا اكتفينا بطرده ومبلغناش عنه الجهات الرسمية ليكون عبرة”.
حاول ممدوح أن يتكلم بصوت مخنوق: “يا عمي أنا…”
قاطعه أبي بحدة بالغة:
“متقولش يا عمي! إنت تطلقها الآن رسمياً وبكل حقوقها، يا إما الرسايل دي هتبقى في يد المباحث والنيابة خلال دقائق”.
نظر ممدوح لأمه، ثم التفت إليّ وقال بكسرة واضحة:
“أنتي طالق يا هنا.. طالق”.
خرجا معاً من الشقة، وقبل أن يغلق الباب نهائياً، نظرت إليه وقلت بكلمة حاسمة:
“خسرت بيتك، وخسرت بيت أختك، وخسرت احترامك لنفسك.. مبروك عليك أهلك اللي بيضحكوا، واهو كل واحد خد نصيبه العادل”.
أغلق الباب، والتف حولى أبي وإخوتي باحتواء ودعم كبيرين. أدركت في تلك اللحظة أن البيت لم يخرب، بل نضف من كل زيف وخداع، وأن الكرامة هي السلاح الأبدي الذي لا يمكن لأحد أن ينزعه منا مادام الحق إلى جانبنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




