
رجعت بيتي وقررت إني لازم أفهم. نزلت ومشيت لحد ما وصلت للحي اللي فيه ورشة العربيات اللي يوسف شغال فيها.
وقفت من بعيد، ولقيت صبي صغير شغال هناك، ناديت عليه وقولتله بصوت واطي:
هو الأسطى يوسف فين؟ مش باين يعني.
الواد بصلي باستغراب وقال بعفوية:
أسطى يوسف مين؟ يوسف مبقاش ييجي الورشة هنا بقاله أكتر من شهر!
الصدمة لجمت لساني. بقالي شهر بيصحى الفجر ويقولي نازل الورشة، وهو مبيجيش هنا؟!
سألت الواد وأنا برتعش:
أنت متأكد يا ابني؟ ليه؟
الواد لسه هيتكلم، لمح الأسطى حامد جاي علينا. الأسطى حامد شافني، وزجر الواد وقاله يشوف شغلانه. وبعدين بصلي وقالي:
أهلاً يا مدام يوسف… خير؟ يوسف مش هنا.
قولتله وأنا بحاول أتماسك:
عارفة إنه مش هنا يا أسطى حامد. هو يوسف ساب الورشة؟
الأسطى حامد اتنهد وقال:
يا بنتي… يوسف راجل محترم وشقيان، وحصت مشكلة مالية من شهر في الورشة، ويوسف حب يتحمل المسؤولية ويسدد جزء من التلفيات دي عشان يحافظ على أكل عيشه، فبقى يشتغل شغلانة تانية تستر بيته، وحلفني مأقولكيش عشان متقلقيش.
أنا مشيت وأنا مش شايفة قدامي. الدموع غسلت وشي. افتكرت كلامي القاسي ليه. الراجل كان شايل جبل على ضهره، وبيشتغل شغلانتين عشان يستر بيته، وأنا كنت فوق دماغه.
رجعت الشقة لحد ما صبحت الساعة تمنية بالليل.
سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب.
دخل يوسف. كان باين عليه التعب أكتر من كل يوم، هدومه متبهدلة، ووشه شاحب. حط مفاتيحه وبصلي بهدوء وقال:
حضريلي الأكل يا إيلين.
مشيت ناحيته بخطوات بطيئة، واستغرب إني واقفة ببص لوشه ودموعي نازلة.
قربت منه، ومسكت إيديه الاتنين… إيديه اللي كانت خشنة من التعب. بصيت في عينيه وقولتله بصوت مخنوق:
أنت شغال إيه يا يوسف دلوقتي؟ ومن مين بتداري الحقيقة؟
يوسف اتفاجئ، وقال بتلعثم:
قولتلك شغل في الورشة…
نزلت على ركبي قدامه وأنا ماسكة إيده وبعيط:
روحت الورشة والأسطى حامد حكالي على كل حاجة… ليه مخبي عليا يا يوسف؟ ليه شايل الهم لوحدك ومخليني أظلمك؟
يوسف ملامحه اتهزت. حسيت بإيده بتمسك إيدي بقوة. قعد على الكرسي وشدني قعدني جنبه، وقال بصوت مليان قهر:
مكنتش عايزك تشوفي الراجل اللي اتجوزتيه مكسور يا إيلين. الشغلانة اللي بشتغلها دلوقتي بالليل بعد الورشة التانية… بشتغل في المعمار عشان أجمع القرشين وأخلص من الديون قبل ما تتجمع عليا… وصاحبي اللي بعت الرسالة كان بيحذرني بحرص عشان أكون منتبه لمصروفي وديوني.
بكل قوتي بكيت وقولتله:
أنا أسفة… أسفة والله العظيم، مكنتش أعرف، أنا قسيت عليك وجرحتك… سامحني يا يوسف.
يوسف طبطب على ضهري بإيده الخشنة، وقال بنبرة حنان افتقدتها:
مسامحك يا إيلين… أنا بس كان نفسي تحسي بيا، فنجان القهوة الصبح ده كان الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أحس إن ليا بيت وست بتدعيلي.
سكتنا شوية، والجو بدأ يهدى.. واتفقنا إننا مع بعض هنيجي على أي ظروف لحد ما ربنا يفرجها.
الفصل الثالث
عدت الأيام، وبدأ يوسف يوفق أوضاعه بالتدريج بفضل الله، وتيسرت أموره بعد ما اشتغل في مكان مستقر أكتر، وجهزنا نفسنا لمرحلة جديدة عنوانها التفاهم والرضا.
في يوم من الأيام، وفي وقت متأخر، سمعنا خبطة بسيطة على الباب. يوسف فتح، ولقينا شخص من معارف الشغل القديم جاي بيعتذر له عن سوء تفاهم قديم حصل بسبب الورشة، وجايب معاه إثبات براءة يوسف من أي التزامات مالية كانت مظلوم فيها، وتوضيح إن صاحب المشكلة الأساسي هو اللي تحمل المسؤولية لوحده.
يوسف اتنهد تنهيدة ارتياح طويلة، كأن جبل واتشال من على صدره.
بصيت له وقلبي بينبض بالفرحة، وقربت منه وقولتله بابتسامة:
ألف مبروك يا حبيبي.. ربنا ما يضيع تعب الشقي أبداً.
يوسف ابتسم، وضم إيدي ليه وقال:
لولا وقفتك جنبي يا إيلين، وصبرك معايا في الأيام الصعبة، مكنتش قدرت أعدي.. أنتِ الظهر والسند الحقيقي.
الفصل الرابع والأخير
بعد مرور سنة كاملة..
الشقة بقت أحسن من الأول، والرزق بدأ يوسع ويجري في إيدينا، ويوسف بقى شغال في مركز صيانة محترم بمرتب ثابت ومعاملة تليق بشقاه وأمانته.
الساعة كانت أربعة ونص الفجر.
منبه الموبايل رن بصوت واطي.
فتحت عيني براحة وبصيت ليوسف اللي كان نايم جنبي وشكله مرتاح، ملامحه مكنش فيها التعب والخوف بتوع زمان. قمت براحة من غير ما أعمل صوت، دخلت المطبخ، وولعت البوتاجاز وعملت فنجان القهوة المظبوط اللي بيحبه، وريحة البن مالت الشقة.. ريحة الأمان والاستقرار.
دخلت الأوضة تاني، وقعدت جنبه على السرير، مشيت إيدي على شعره وقولتله بصوت حنين وبابتسامة مالية وشي:
يوسف.. قوم يا حبيبي عشان تلحق شغلك.. القهوة جاهزة.
يوسف فتح عينيه وبصلي، وابتسم ابتسامة صافية من قلب قلبه، مسك إيدي وباسها وقالي:
صباح الخير يا أحلى حاجة في حياتي.. ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش من القهوة دي ولا من صاحبتها.
قمت ووقفت قدام المراية وأنا بحضر له فطور سريع، وبصيت لنفسي وابتسمت.. المرة دي مسألتش نفسي هو أنا استعجلت؟.. المرة دي كنت عارفة ومتأكدة إن ده أحسن قرار أخدته في حياتي، وإن الصبر آخره جبر، وإن الجواز الحقيقي بيبدأ لما الاتنين يشيلوا الشيلة مع بعض في المرّة قبل الحلوة.
ويوسف خرج من الشقة وهو بيشرب قهوته، وبصلي وقالي: ادعي لي يا إيلين.. وقولتله من قلب قلبي: ربنا يفتحها عليك ويرزقك برزقنا يا سيد الرجالة. وباب الشقة اتقفل.. بس اتقفل على أمان الحب وخير ملوش نهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




