
أنا عروسة جديدة ومكملتش شهرين جواز، جوزي بيصحيني كل يوم الصبح يقولي قومي صلي واعمليلي قهوة عشان نازل الشغل… بصراحة بقيت مش قادرة أستحمل كده تاني. سمعت كلامه كام أسبوع، وبعدها مبقتش أوافق. وكان نفسي يفهم لوحده وميصحنيش الصبح تاني، بس لقيت مفيش فايدة.
قولتله اشرب القهوة عند أمك.
راح قالي وهو باصصلي باستغراب:
هو أنا اتجوزتك عشان أشرب عندها؟
ولما اتضايقت رديت عليه بعصبية:
أمال لو بتروح شغلانة حلوة ومحترمة زي باقي الرجالة كنت هتعمل إيه؟
من وقتها بقى بينزل من قبل الفجر، وميرجعش غير بالليل. يدخل البيت ساكت، لا بيتكلم ولا بيحكي، يدوب يقول:
حضريلي الأكل.
ويسكت.
هو شغال في ورشة عربيات، شغلانة شاقة طول اليوم، وبرغم التعب اللي بيرجع بيه، مفيش معاه قرش. كل يوم في البيت ناقص حاجة… مرة الأكل، ومرة الغاز، ومرة طلبات البيت. لا بناكل لحمة ولا فراخ زي الناس، ولما يقبض، الفلوس اللي بيديهالي متكملش أسبوع.
وفوق ده كله، كان مصمم يصحيني كل يوم الفجر أعمله قهوة، في الوقت اللي أهله كلهم نايمين مرتاحين.
بقيت حاسة إني اتظلمت.
مش ده الراجل اللي كنت بحلم بيه.
كنت فاكرة الجواز مشاركة، وضحك، وخروج، وكلمة حلوة آخر اليوم… لكن لقيت نفسي بقيت مجرد ست بتستنى آخر الشهر، وتعد الفلوس، وتسمع كلمة اعملي وحضري.
كل يوم كنت أبص لنفسي في المراية وأسأل:
هو أنا استعجلت؟ هو ده الجواز اللي كنت مستنياه؟
وأمي كل ما أكلمها، تقولي:
اصبري يا بنتي… أول الجواز كله مشاكل.
لكن الصبر كان بيخلص.
الغريب إنه عمره ما رفع صوته عليا، ولا ضايقني، ولا حتى شتمني.
بس سكوته كان بيوجع أكتر من أي خناقة.
كنت بحاول أفتح معاه كلام.
أقوله:
مالك؟
يرد بكلمة:
مفيش.
أقوله:
إحنا محتاجين حاجات للبيت.
يقولي:
لما ربنا يفرجها.
وأول ما يخلص أكله، يقوم ينام من التعب.
في مرة قلت لنفسي يمكن هو بيمر بضغوط في الشغل.
فقررت أصالحه.
صحيت قبله، وعملتله القهوة من غير ما يطلب، وحطيتله الفطار.
بص للقهوة، وشكرني بهدوء، لكن حتى وقتها محستش إنه رجع زي الأول.
كان فيه حاجة مكسورة بينا.
بعدها بكام يوم، وهو خارج الفجر، ساب موبايله على الكنبة بالغلط.
الموبايل رن.
بصيت عليه من غير ما ألمسه.
لقيت اسم واحد صاحبه في الورشة.
استغربت إنه بيرن عليه قبل الفجر.
الرنة وقفت.
وبعدها بثواني… وصلت رسالة على شاشة الموبايل، وكانت ظاهرة من غير ما أفتحه.
أول سطر فيها خلّى قلبي يدق بسرعة…
متقلقش… محدش عرف لحد دلوقتي، بس لازم تتصرف بهدوء قبل ما مراتك تعرف الحقيقة.
وقفت مكاني متجمدة.
إيه الحقيقة؟
وإيه اللي المفروض أعرفه؟
وفي اللحظة دي بالضبط… سمعت صوت مفتاح الشقة بيلف في الباب، مع إنه كان لسه خارج من أقل من خمس دقايق…
الفصل الثاني
الباب اتفتح ببطء، وأنا كنت واقفة في مكاني، عيني بتتنقل ما بين شاشة الموبايل المنورة بالرسالة وبين مقبض الباب. رجلي مكنتش شايلاني، وحسيت إن الهوا سحب من الأوضة فجأة.
دخل يوسف. وشه كان مخطوف، وعينيه بدت تدور في الصالة بقلق لحد ما وقعت على الكنبة… وعلى الموبايل. هو لمحني واقفة ببص للموبايل، وفي ثانية واحدة، شوفت في عينيه نظرة خوف وقلق.
خطى خطوات سريعة، مد إيده وأخد الموبايل من على الكنبة بسرعة، وقال بصوت متحشرج:
نسيت التليفون… كويس إني لحقت نفسي ورجعت قبل ما أركب المواصلات.
أنا مكنتش قادرة أنطق، بس لساني اتفك فجأة وسألته بجمود:
مين اللي كان بيرن عليك الفجر ده يا يوسف؟
اتوتر، حط إيده في جيبه وقدم رجل وأخر رجل وقال:
ده… ده الأسطى حامد، صاحب الورشة، تلاقيه عاوزني في شغل بدري. يلا أنا لازم أنزل عشان متأخرش.
لف ضهره عشان يمشي، بس أنا مقدرتش أسكت. الوجع والخوف انفجروا في لحظة. قولتله بصوت عالي:
الأسطى حامد برضه اللي بيقولك محدش عرف لحد دلوقتي، ولازم تتصرف قبل ما مراتك تعرف الحقيقة؟! حقيقة إيه يا يوسف؟ أنت مخبي عليا إيه؟
يوسف اتسمر مكانه. لف براحة، وشفت في وشه ملامح إنسان مكسور وتعبان. قرب مني خطوتين، وبص في الأرض وقال بصوت واطي ومبحوح:
مفيش حاجة يا إيلين… دي حوارات في الشغل ومشاكل بسيطة وأنا مليش ذنب فيها. ريحي أنتِ وسيبيني أشوف أكل عيشي.
سابني وخرج، وقفل الباب وراه براحة.
قعدت على الكنبة وأنا بفرك في إيديا. الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. الكلمة اللي قالها وجعتني… مراتك تعرف الحقيقة. هو أنا غريبة عنه؟ افتكرت كلامي ليه لما قولتله أمال لو بتروح شغلانة حلوة ومحترمة… حسيت بنغزة في قلبي. أنا جرحته في رجولته وفي أكل عيشه، بس برضه هو مرفعش صوته.
الساعة بقت تمنية الصبح. مكنتش قادرة أقعد في الشقة لوحدي، الشك كان هيجنني. أخدت عبايتي ونزلت. روحت لبيت أمي، قولت يمكن ألاقي عندها كلمة تريح قلبي.
أول ما فتحتلي وشافت وشي، دخلتني وهي بتقول:
مالك يا إيلين؟ فيكِ إيه يا بنتي؟
ارتميت وبكيت بحرقة. حكيتلها كل حاجه عن الرسالة وعن سكوته وعن الفلوس اللي مابتكفيش.
أمي سكتت شوية، وطبطبت على كتفي، وقالتلي بهدوء:
يا بنتي، يوسف راجل طيب وابن حلال وعمره ما عاب فيكِ. يمكن الراجل مديون ومش عايز يشيلك الهم؟
قاطعتها بعصبية وعياط:
مديون بإيه يا أمي؟ وإيه اللي يخليه يخبي عليا؟ دي معناها إن فيه مصيبة تانية!
أمي قالتلي بحكمة:
استغفري الله العظيم يا إيلين! متخربيش بيتك بالظنون. ارجعي بيتك ولما يرجع اتكلمي معاه بالراحة، من غير عصبية ومن غير ما تجرحيه.




