
لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة.
رجعت من الشغل، لقيت البيت فيه شجار وخلافات عالية. سميرة واقفة منفعلة وتقولي: “بنتك كلمتني بأسلوب مش كويس قدام اختي! أنا مش قادرة أستمر في الوضع ده!”. حاولت أهديها وأراضي خاطرها، راحت حلفة إنها ماشية وسايبالي البيت. وقتها بنتي خرجت من أوضتها، عينيها ملانة دموع، وكانت بتحاول تتكلم وتدفع عن نفسها: “والله يا بابا محصلش، هي اللي بدأت وتجاوزت في حق أمي الله يرحمها قدام اختها!”.
أنا للأسف، تحت ضغط الخوف من خسارة سميرة، صرخت في وجه بنتي وقلت لها بقسوة: “ادخلي أوضتك ومش عايز أسمع صوتك!”.
البنت اتصدمت من رد فعلي اللي لأول مرة يكون بالقسوة دي، ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح.
سميرة وقتها هديت، ومامشيتش. بس أنا في اللحظة دي، ولما بنتي قامت من على الأرض وبصتلي.. شفت في عينيها كسرة عمري ما هأنساها.
فضلت بنتي جوة الأوضة تلت أيام بلياليهم.
لا خرجت، ولا فتحت الباب، ولا قطمت لقمة، ولا راحت جامعتها. كنت أعدي أسمع صوت المية شغال في الحمام ويرجع يسكت، أقول في نفسي: “بكرة تروق، بكرة تتعدل”.
في اليوم الرابع، ضميري تعبني وحسيت بتقل في صدري مش طبيعي. قلت خلاص لازم أدخل للبنت أطيب خاطرها بكلمتين وأجيب لها أكل.
سميرة كانت قاعدة تتفرج على التلفزيون، وأنا مشيت بخطوات تقيلة ناحية أوضتها. خبطت على الباب.. محدش رد.
“يا بنتي.. افتحي يا حبيبتي، أنا بابا”.
برضه مردتش.
حاولت ألف أكرة الباب فتحت على طول.. دخلت الأوضة.. ولقيتها قاعدة في زاوية الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وحاضنة صورة أمها، وباصتلي بنظرة كلها عتاب ووجع.
جريت عليها وقعدت قدامها على الأرض: “حقك عليا يا بنتي.. أنا أسف، والله ما كان قصدي، قومي معايا كلي حاجة وافتحي صفحة جديدة.”
البنت بصتلي بدموع ساخنة وقالت بصوت مكسور: “يا بابا.. انت تخليت عني وقت ما كنت محتاجالك.. انت فضلتها عليا وأنا ماليش غيرك في الدنيا.. ارجوك سيبني في حالي.”
قامت وسابتني واقف لوحدي، وطلعت من البيت كله غضبانة ومنكسرة، وراحت عند بيت خالتها اللي حضنتها ورفضت ترجع للبيت اللي حست فيه بالقهر والظلم.
لما حاولت أرجعها وأراضيها، خالتها وقفت في وشي وقالتلي: “بنتك مش هترجع لبيت فيه واحدة بتأذيها وانت بتتفرج! كفاية اللي شافته منك.”
وسميرة؟ لما لقيت بنتي سابت البيت، فضلت تتشرط وتعمل مشاكل تانية، لحد ما فوقت على نفسي ودرت إن اللي يتخلى عن بنته عشان رضا مراته، يستاهل يخسر كل حاجة.
رميت طلاق سميرة في وشها وطلعتها برة بيتي للأبد.
بقيت لوحدي في البيت.. البيت اللي بقى فاضي ومظلم عليا.
أنا دلوقت بروح لبنتي كل يوم، أبوس إيديها وأترجاها تسامحني على القسوة والتقصير اللي شافته مني، وعارف إن الجرح كبير وصعب يلتئم بسهولة. بتسدّد ثمن ضعفي وظلمي كل يوم، وبتعلم بالطريقة الصعبة إن رضا ربنا بيبدأ من عدل الأب مع أولاده، وإن أمانة الأبناء أغلى بكتير من أي تعلق مؤقت في الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




