منوعات

بعد وفاة عمي بقلم اماني السيد

شيرين كانت بترتجف: إنتي بتقولي إيه؟! إنتي كذابة! عايزة تخربي بيتي!

ندى ما ردتش عليها.. كانت بصالي أنا.

بس المرة دي مفيش دموع.

فيه هدوء غريب.. هدوء حد خسر كل حاجة وبقى مش فارق معاه يخسر كمان.

رفعت الظرف البني وقالت: افتحه وهتعرف ليه أنا ما كذبتش.

إيدي كانت تقيلة وأنا باخده منها.

فتحت الظرف.. أول ورقة كانت تحليل DNA.

بصيت ورجعت بصيت تاني.

الاسم: ياسين.. مطابق بنسبة 99.9%.

لكن السطر اللي تحت خلّى رجلي تتشل: الأب البيولوجي غير الأب المدّعي.

رفعت عيني بصعوبة، وشيرين كانت بتبصلي كأنها بتقيس رد فعلي.

بس ندى قالت الجملة اللي كسرت كل حاجة:

أنا ما خنتكش.. بس أنت اللي خنت نفسك.

سكتت لحظة، وبعدين كملت: يوم ما تركتني كنت حامل ومحدش كان يعرف غيرك وأبوك الله يرحمه كان عارف، وعشان كده كتب الوصية.

حسيت الأرض بتسحبني.

وصية؟

ندى هزّت راسها: كان عايزني أعيش في بيتك لحد ما الطفل يتولد وياسين يتسجل باسمك عشان مايتكسّرش.

شيرين صرخت: كفاية كذب!

لكن صوتها كان ضعيف لأن الحقيقة كانت أكبر منها.

أنا كنت واقف، مش شايف غير مشهد واحد بيرجع في دماغي: “اتصرفي”.. الكلمة اللي قلتها لها يوم ما طردتها.

ندى قربت خطوة وقالت بصوت أخفض: أنا اتصرفت.. اشتغلت وتعبت، بس ما مدّتش إيدي لحد.

سكتت ثانيتين.. وبصتلي نظرة أخيرة: إنما أنت رميت ابنك قبل ما تعرفه.

في اللحظة دي، ياسين بدأ يعيط جامد من السخونية.

جريت عليه مسكته لأول مرة كأب.

وشيرين كانت واقفة في النص، لأول مرة مفيهاش كلمة تقولها.

أما ندى كانت ماشية ناحية الباب تاني.

بس قبل ما تخرج، وقفت وقالت من غير ما تبص:

العبء الحقيقي مش الذنب يا أستاذ.. العبء إنك تعرف الحقيقة متأخر قوي.

وخرجت.

والمرة دي ما رجعتش.. فضلت واقف في مكاني، ماسك ياسين بين إيديا، وسخونته كأنها بتنخر في قلبي مش جسمه.

باب الأوضة كان لسه بيتحرك من أثر خروج ندى.. لكن إحساس غريب كان بيقول إنها مش خرجت من حياتي دي خرجت من باب واحد ودخلت باب تاني أكبر جوا دماغي.

شيرين بصّتلي باستغراب: إنت مصدقها؟

ما جاوبتش.. لأني بصراحة مش عارف أصدق مين، ولا عارف أهرب من إيه.

الدكتور رجع تاني بسرعة ومعاه ممرضة: لازم الطفل يدخل عناية فورًا، الحالة بتسوء.

شاف الورقة اللي في إيدي، وسكت ثواني، وقال: لو التحليل ده صحيح يبقى في حاجة لازم تتقال من زمان.

وأخد ياسين مني.

وفي اللحظة دي حسيت إن حاجة اتشالت مني.. مش بس ابني، إحساسي إني كنت ماسك الدنيا.

خرجوا بيه بسرعة، وبقيت أنا وشيرين في الممر.

شيرين بصتلي فجأة، والغرور بدأ ينهار: إنت هتصدق كلامها وتكسر بيتنا؟

لفيت بصيت لها لأول مرة من غير أي تبرير: هو بيت إيه اللي مبني على إن طفل يتدفن بالحقيقة؟

سكتت.. أول مرة أشوفها مش لاقية رد.

في نفس اللحظة، جالي تليفون من رقم غريب.

رديت.. صوت راجل عجوز ومبحوح: إنت فلان؟
ـ أيوه.
ـ أنا كنت شغال مع عمك زمان وفي حاجة لازم تعرفها.. ندى ما قالتش كل حاجة.

قلبي دق: إيه يعني؟

سكت لحظة، وبعدين قال: عمك ماجبرهاش تتجوزك عشان الوصية.. كان خايف عليك إنت.
ـ خايف عليا من إيه؟
ـ منك أنت.

وقفل الخط.

وقفت مكاني والدماغ بتلف بيا.

شيرين سألت بخوف: مين ده؟

ما جاوبتش.. لأني فجأة بدأت أفهم إن القصة مش مجرد تركت ندى وبس، دي كانت أول خطوة في حاجة أكبر مني بكتير.

وفي آخر الممر لقيت ورقة صغيرة مرمية على الأرض.. نفس خط إيد ندى.

مكتوب فيها سطر واحد بس: “لو ياسين عدى الليلة هتفهم ليه أنا ما طلبتش منك حاجة غير الرحمة.”

رفعت عيني ناحية العناية.. ولأور مرة في حياتي، ماكنتش خايف على ابني بس، كنت خايف أكون أنا السبب في كل حاجة بتحصل له.

ركضت ناحية العناية بسرعة.

الزجاج كان باين منه ياسين متوصل بأجهزة، وصوته ضعيف جدًا.

بس اللي شدني مش حالته.. اللي شدني إن في حد واقف جوا العناية: ندى.

لبسها لسه زي ما هو، بس كانت واقفة جنب السرير بهدوء، بتحط إيدها على إيده الصغيرة.

الممرضة كانت بتتكلم معاها بهمس، كأنها عارفة وجودها ومش معترضة.

وقفت عند الباب، مش قادر أدخل.

الدكتور شافني وقال بسرعة: إنت لازم تمشي من هنا دلوقتي.
ـ ليه؟ هي بتعمل إيه هنا؟

سكت ثانيتين وقال: هي اللي جابت الطفل المستشفى في أول لحظة لما الحالة ساءت وإحنا كنا بنحاول نوصل لك.

حسيت الأرض بتتهز: إزاي؟ هي مش…

الدكتور قاطعني: هي اللي أنقذته مرتين قبل كده من غير ما تقول لحد.. والمرة دي كان عندها كل أوراقه الطبية القديمة.

بصيت لها جوا الزجاج.. كانت بتتكلم مع ياسين بصوت واطي: “أنا هنا ما تخافش زي ما وعدتك.”

وقفت فجأة، وبصت ناحية الباب كأنها حست بيا.

دخلت.. وسكت المكان كله.

ندى ما اتحركتش، وقالت بهدوء: هو كويس بس محتاج مراقبة.

قلت بصوت مخنوق: إنتي عرفتي منين إنه ابني؟ وإزاي كنتي عارفة حالته؟

سكتت لحظة وقالت: لأني ما سبتوش يوم ما سبتني.

بصيت لها مش فاهم.

كملت: أنا ما مشيتش.. أنا كنت براقب من بعيد، وكل مرة كان بيتعب فيها كنت بكون قريبة.

شيرين كانت واقفة عند الباب مش قادرة تدخل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى