قصص وروايات

سر بنتي حكايات زهرة حصري

بنتي صحيت من النوم وقالتلي بهمس: “ماما.. في واحد بيدخل الشقة بالليل بالسر، بيفتح الأدراج وياخد حاجات من المحفظة والدولاب، ولما بيشوفني صاحية بيمسك الشوكولاتة ويقولي ششش متصحيش ماما!” أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب اللي حصل، مش قادرة أصدق إن بيتي اللي كنت شايفاه أماني الوحيد، طلع هو المكان اللي بيحصل فيه أغرب جريمة سرقة ممكن تتخيلوها.

 

أنا اسمي مريم، أم مطلقة وعندي بنت واحدة اسمها تاليا، عندها خمس سنين. من يوم ما انفصلت عن باباها وأنا ماليش غيرها ولا ليها غيري. نقلت لبيت جديد، شقة صغيرة على قدنا عشان نبدأ من جديد بعيد عن المشاكل. كانت دنيتنا هادية، بنصحى الصبح نجهز للحضانة، أوديها وأروح شغلي، وأرجع أجري عشان ألحقها ونقضي بقية اليوم سوا.

لكن من حوالي أسبوعين.. كل حاجة اتبدلت، وبدأت ألاحظ حاجات غريبة جداً.

بداية الغموض والشكوك
البداية كانت بشعور غريب بقيت أصحى بيه كل يوم الصبح.. دوخة شديدة، صداع نصفي، وجسمي مهدود تماماً كأني مأخدتش أي قسط من الراحة، رغم إني بنام ساعات كافية. كنت بقول لنفسي ده مجرد إرهاق من شغل البيت ومسؤولية البنت.

بس الموضوع متوقفش عند الدوخة، بدأت ألاحظ إن في حاجات بتختفي بالتدريج من البيت! مبلغ مالي بسيط كان في المحفظة يقل، خاتم دهب كنت حطاه على التسريحة ملقاهوش، مفاتيح زيادات تضيع.. كنت أقول لنفسي أكيد أنا نساية وبقيت بأرتب الحاجات في أماكن غلط من كثرة التعب.

لحد ما تاليا بقت تصحى كل يوم الصبح مبرقة، عينيها واسعة من الخوف وجسمها الصغير بيتنفض. أول يوم افتكرته كابوس عادي، أخدتها في حضني وفضلت أهدي فيها. سألتها: “حلمتي بحاجة وحشة يا قلب ماما؟”
بصت لي بنظرة خايفة وقالت لي بصوت واطي: “مفيش يا ماما.. ولا حاجة.”

لكن لما التوتر زاد وبقت تخاف تقرب من السرير أول ما الليل يليل، قررت إن النهاردة لازم أفهم في إيه.

اعتراف الطفلة واكتشاف الخيط الأول
عملت لها الأكل اللي بتحبه، وفضلنا نلعب بالعروسة بتاعتها ونضحك لحد ما حسيت إنها فكت. أخدتها في حضني وقلت لها بحنان: “بصي يا تاليا.. إحنا مش أصحاب وبنقول لبعض كل حاجة؟ قوليلي يا حبيبتي، حد بيضايقك في الحضانة؟ خايفة من إيه؟”

تاليا سكتت فجأة، وبصت حواليها في الأوضة تتأكد إن مفيش حد واقف معانا، وقربت مني وقالت بهمس شديد:

“هقولك سر يا ماما.. بس متزعليش. في راجل غريب بيدخل الشقة بالليل وإحنا نايمين، بيجي بالراحة يفتح الأدراج والمحفظة بتاعتك وياخد منها فلوس وحاجات بتلمع. ولما أصحى وأشوفه، بيطلع شوكولاتة من جيبه ويديهالي ويحط صباعه على بقه ويقولي: شششش.. متقوليش لماما ده سر بينا، عشان لو قولتي لها مش هجيبلك شوكولاتة تاني.”

في اللحظة دي حسيت كأن مية تلج اتدلقت على دماغي.
راجل؟ بيدخل الشقة بالليل والمفروض إن الباب مقفول؟ وبيفتح الأدراج ويسرق الفلوس والدهب قدام بنتي وهو بيثبتها بحبة حلوى عشان متصرخش؟!

بدأت أربط الخيوط ببعضها بسرعة.. الدوخة الغريبة اللي بتجيلي كل يوم الصبح، النعاس الثقيل اللي بيخليني غايبة عن الوعي تماماً، واختفاء الفلوس والدهب! أنا كنت بتخدر بفعل فاعل عشان اللص ده يسرق الشقة براحته من غير ما أحس بيه!

الخطة والمواجهة الحاسمة
قررت إن الليلة دي مش هتعدي. أنا مش هنام، ومش هشرب المية اللي متعودة أشربها قبل النوم من قارورة الكولر. دخلت المطبخ وصبيت كباية مية ورميتها في الحوض عشان لو حد بيراقب يفتكر إني شربت عادي.

دخلنا الأوضة، نمت على السرير وجرّيت الغطا عليا وعلى تاليا، وعملت نفسي نايمة تماماً.. وبدأت مرحلة الانتظار.

الساعة 12:00 منتصف الليل: الهدوء تام، ومفيش غير صوت دقات قلبي.

الساعة 1:00 صباحاً: جسمي وجعني من الثبات، بس الخوف والترقب كانوا أقوى من أي حاجة.

الساعة 2:00 صباحاً: سمعت الصوت! صوت تزييق خفيف جداً في قفل الباب الخارجي للشقة، كأن حد بيفتح بمفتاح معاه بكل بطء.

الباب اتفتح مليمتر ورا مليمتر. وفي العتمة، ظهر خيال راجل يتسحب بهدوء شديد متجه ناحية التسريحة والكومودينو. فتح الدرج بمهارة ودون أي صوت، وبدأ يدور على الفلوس والمجوهرات ويسحبها.

تانيا صحت واقعدت في السرير خايفة، اللص على طول طلع قطعة الشوكولاتة وحط صباعه على بقه وقالها بهمس: “ششش.. خدي دي وسكوتي زي كل ليلة.”

في اللحظة دي، استجمعت كل ذرة شجاعة في قلبي. مديت إيدي بسرعة تحت الغطا، وأمسكت موبايلي اللي كنت مجهزاه على الكشاف القوي، وفتحته فجأة في وشه وأنا بصوّت: “أنت مين يا مجرم؟!”

سقوط القناع ونهاية الكابوس
الضوء القوي عماه للحظات، ولما حاول يداري وشه.. اتصدمت!
الراجل ده مكنش غريب.. الراجل ده كان عماد، ابن صاحب العمارة!

عماد لما لقى نفسه اتكشف، اتغيرت ملامحه وهجم عليا يحاول يكتمني وهو بيزعق بغل: “اسكتي خالص وإلا هضيعك!”

تاليا بدأت تصرخ، وصراخها أداني قوة جبارة. قاومت بكل قوتي، ضربته بالموبايل في وشه وعضيت إيده، ولما اتراجع خطوتين، أخدت تاليا في حضني وجريت على المطبخ وقفلنا الباب الخشب بالترباس من جوة.

فضل يخبط على الباب بقوة وهو بيهددني، وأنا مسكت الموبايل فوراً واتصلت بالشرطة بلغتهم بالعنوان حالة السطو المباشرة.

وأنا واقفة في المطبخ خايفة، عيني وقعت على قارورة المية الكبيرة.. وافتكرت! عماد ده هو اللي كان بيتبرع كل أسبوع يرفع لي قارورة المية الجديدة لشقتي بحجة مساعدة امرأة مطلقة تعيش لوحدها! اللص كان بيحط مادة منومة قوية جوة المية قبل ما يوصلها، عشان يضمن إني أغيب عن الوعي تماماً ويسرق الشقة براحته.

بعد دقائق بسيطة، سمعت صوت الشرطة ووصول الجيران بعد ما سمعوا الصراخ. اقتحمت الشرطة الشقة وألقت القبض على عماد متلبساً، وكان معاه شنطة فيها الفلوس والمجوهرات المسروقة ونسخة من مفتاح الشقة.

بداية جديدة وأمان حقيقي
في قسم الشرطة، أثبت تقرير المعمل الجنائي وجود مادة منومة في قارورة المية، واعترف المتهم إنه كان بيستغل تخديري لسرقة الشقة بالتدريج، وكان بيدهي الطفلة شوكولاتة ويطلب منها السكوت عشان تظن إن الموضوع سر ولا تصرخ.

من الليلة دي، نقلت فوراً لبيت جديد في منطقة آمنة بوجود حراسة حقيقية.

تعلمت درس عمري: الأمان الحقيقي مش مجرد باب مقفول، الأمان هو إنك تكوني واعية لكل تفصيلة حواليكي، وإنك تسمعي لأولادك وتصدقيهم مهما كان كلامهم يبان غريب.. لأن براءة طفلتي وذكائها هما اللي أنقذوا حياتنا.

(هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى