منوعات

زوجتي

لا أنتِ لم تحمي أحدًا. كنتِ وحيدة، وأردتِ حيدر أن يبقى وحيدًا مثلك.
نظرت إليها أمي بكراهية خالصة.
اخرسي.
حاولت سارة الوقوف، لكنها انحنت من الألم فورًا.
ركضت نحوها.
دفع أبي يده على صدري.
انتبه.
الكلمة أهانتني أكثر من أي صفعة.
انتبه.
لم أعد أعرف كيف ألمس زوجتي دون أن يخاف الناس منها عليّ.
جلست أمام سارة.
يؤلمك؟
تنفست بسرعة.
نعم.
الطفل؟
لم تجب.
نظرت إليّ بالطريقة التي يُنظر بها إلى غريب كان ينام يومًا في السرير نفسه.
وفجأة تذكرت فحص الحمل.
واسم عائلتي المكتوب خلفه.
عدت إلى المخزن والتقطته بيدي المرتجفتين.
وعلى الجهة الخلفية، بالحبر الأزرق، كانت سارة قد كتبت
السامرائي. سبعة أسابيع. أتمنى ألا يكبر وهو يتعلم طاعة دموع أم حيدر.
اختفى نفسي.
حاولت أمي أن تنتزعه مني.
هذا فخ.
أبعدتها.
لا تلمسيه.
نظرت إليّ أمي وكأنني بصقت في وجهها.
هكذا تحكي معي؟
قلت بصوت صغير لكنه واضح
نعم.
لفّ أبي البطانية حول سارة أكثر وساعدني على حملها.
قال
لازم نأخذها للمستشفى.
قالت أمي فورًا
لا. أولًا سنتحدث كعائلة.
نظرت إليها.
ولأول مرة رأيت كل شيء بوضوح.
الشوربة الباردة.
اللحم الذي أُعيد تسخينه.
الدموع المحسوبة.
كل مرة صمتت فيها سارة حتى لا تستفز أمي.
كل مرة قلت لها
تحملي هذه طبعها.
كل مرة خلطت فيها بين الاحترام والخضوع.
قلت
عائلتي تنزف ابتعدي.
وقفت أمي مكانها بلا حركة.
إذا خرجت معها من هذا الباب لا ترجع.
حملت سارة بين ذراعي.
كانت خفيفة جدًا.
أخف مما يجب.
قلت
إذًا لن أرجع.
خرجنا عبر الممر إلى المخزن.
ضوء الصباح كان يدخل من النافذة الصغيرة.
كل شيء بدا كما هو.
لكنني لم أعد الرجل نفسه الذي أغلق الباب بالمفتاح الليلة الماضية.
في الصالة كانت رائحة القرفة والشاي البارد والكذب تملأ البيت.
على الطاولة كان كوب الشاي الذي أعطتني إياه أمي منتصف الليل.
رفعه أبي وشمّه.
ثم نظر إليها.
مرة أخرى.
شحبت.
لا تبدأ.
سألتها
ماذا وضعتِ فيه؟
رفعت رأسها بعناد.
مهدئ. كنت متوترًا.
شعرت بالغثيان.
ليس بسبب الشاي.
بسببي أنا.
لأنني لم أحتج أصلًا إلى دواء حتى أتحول إلى شريك لها.
كان يكفي أن تبكي فأطيعها.
ذهبنا إلى المستشفى.
ولا أتذكر الطريق كاملًا.
أتذكر شوارع بغداد وهي تستيقظ.
المخابز التي بدأت تفتح.
رائحة السمسم والخبز الحار.
أصوات السيارات.
وأصابع سارة وهي تمسك قميصي كلما ضربها الألم.
كنت أكرر طوال الطريق
سامحيني.
لكنها لم ترد.
في قسم الطوارئ أخذوها مني فورًا.
وبقيت واقفًا ويداي فارغتين.
كان هناك دم قليل على أصابعي.
قليل جدًا.
لكنه كان كافيًا حتى أشعر أن العالم كله يتهمني.
جلس أبي بجانبي.
لفترة طويلة لم يتكلم.
ولا أنا.
ثم قال بهدوء
أنت لست مذنبًا بما فعلته أمك معي.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
لكنني مذنب بما فعلته مع سارة.
قال مباشرة
نعم.
وكنت ممتنًا لأنه لم يحاول أن يريحني.
كنت بحاجة للحقيقة.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب.
وضعها مستقر. هناك خطر على الحمل، لكنه ما يزال مستمرًا. تحتاج راحة وهدوءًا وابتعادًا كاملًا عن التوتر.
ابتعاد كامل عن التوتر.
كدت أضحك.
وكأن بيتي لم يكن مصنعًا للخوف.
سألته
أستطيع رؤيتها؟
نظر إليّ بحدة.
طلبت أن ترى الأستاذ رعد أولًا.
وقف أبي.
وأنا لم أعترض.
بقيت جالسًا.
أتعلم كيف يبدو الشعور عندما لا يتم اختيارك.
مرّت عشرون دقيقة.
ثم خرج أبي وقال
تريد التحدث معك.
دخلت إليها.
كانت مستلقية على السرير، موصولة بالمحاليل، وشعرها ملتصق بوجهها، وعيناها مرهقتين.
وعندما رأيتها بهذا الشكل فهمت أن طلب السماح منها يبدو شيئًا صغيرًا جدًا وقريبًا من الإهانة.
ومع ذلك قلته
سامحيني.
نظرت نحو النافذة.
لا أعرف إن كنت أستطيع.
هززت رأسي.
أعرف.
قالت بهدوء
ليست ليلة البارحة فقط يا حيدر. البارحة كانت الباب لكنك منذ سنوات تغلقني خارج حياتك كل مرة تختار فيها أمك.
جلست بعيدًا عنها حتى لا أشعرها أنني أقتحم مساحتها.
قلت
سأبلغ عمّا حدث.
التفتت نحوي.
ضد أمك؟
ضدها وضدي أيضًا. أنا حبستك.
امتلأت عيناها بالدموع.
تقول هذا لأنك خائف أن تخسرني؟
قلت بصراحة
نعم ولأنني أصلًا خسرت نفسي.
أغلقت عينيها للحظة.
لن أرجع لذلك البيت.
لن أطلب منك هذا.
وطفلي لن يكبر داخل بيت تحكمه دموع الجدة ويطيع فيه الأب بالصراخ.
الجملة اخترقتني.
أردت أن أقول
طفلنا.
لكنني سكت.
لم أكن أستحق الكلمة بعد.
فتحت عينيها من جديد.
أحتاج وقتًا.
سأعطيك.
وأحتاج مسافة.
أيضًا.
ثم قالت وهي نظرة إليّ مباشرة
وأريدك أن تفهم شيئًا يا حيدر إذا بقيت حية، وإذا عاش هذا الطفل، فلن يكون ذلك بسبب ندمك. سيكون لأنني وجدت مخرجًا في المكان الذي وضعت فيه أنت المفتاح.
لم أستطع النظر في عينيها.
قلت فقط
نعم.
ذلك العصر ذهبت إلى مركز الشرطة.
وصلت أمي قبل أن أنهي إفادتي.
دخلت غاضبة بعباءتها السوداء ووجهها الذي حفظ دور الضحية طوال عمره.
حاولت أن تحتضنني.
لكنني ابتعدت.
قالت بصوت منخفض
قل لهم إنه سوء فهم.
نظرت إليها.
كان الأمر مرعبًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى