منوعات

رجعت قبل معادي

وخدتها على أوضتنا وقفلت الباب.
طلعت شنطة الإسعافات اللي كانت معايا، وقعدت أنضف الچروح اللي في وشها وإيديها.
هي كانت ساكتة.
مستحملة كل حاجة من غير ما تنطق.
لحد ما مسكت إيدها.
بصيت في عينيها وقلت
أنا لسه مش فاهم حصل إيه بس أنا عارفك يا منى. وأنا مصدقك.
أول ما سمعت الجملة دي
اڼهارت.
بدأت ټعيط.
بس حتى وهي بټعيط، كانت بتحاول تكتم صوتها.
فضلت تبكي بالشكل ده كام دقيقة، لحد ما قامت فجأة.
مسكت إيدي من غير ما تقول كلمة، وسحبتني وراها ناحية المطبخ.
وقفت قدام حلة كبيرة بنحط فيها الرز.
مدت إيدها جوه الرز، وطلعت كيس بلاستيك ملفوف كويس.
فتحته.
كان جواه كشكول قديم.
أول ما شوفته عرفته.
ده الكشكول اللي أنا كنت جايبهولها وإحنا لسه مخطوبين.
منى ما قالتش حاجة.
حطته في إيدي.
فتحته.
قريت أول صفحة.
وبعدين اللي بعدها.
وبعدين اللي بعدها.
كل صفحة كانت بتخليني أستغرب أكتر.
لحد ما وصلت لآخر ورقة.
قريتها
وساعتها حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
لأن الديون اللي أمي وأختي قالوا إن منى هي اللي عملتها
ما كانتش باسم منى أصلًا.
والأخطر من كده
إن اللي اكتشفته عن عيلتي خلاني لأول مرة في حياتي أشك في كل حاجة حصلت وأنا بعيد عن البيت.
وأنا لسه مش عارف إن اللي عملوه في مراتي كان مجرد بداية
وإن الحقيقة اللي كانت مستخبية في الكشكول ده، كانت أخطر بكتير من حكاية مية ألف جنيه.
واللي كنت هعرفه بعدها
كان كفيل يهدّ بيتنا كله فوق دماغهم.
الجزء التاني الكشكول اللي محدش كان عايزني أشوفه
قلبت الصفحة الأخيرة مرة تانية، وأنا مش مستوعب اللي مكتوب قدامي.
كان فيه جدول طويل، متقسم لتواريخ ومبالغ وأسماء.
وفي آخر كل سطر توقيع.
توقيعي أنا.
أو على الأقل توقيع شبه توقيعي لدرجة إن أي حد يشوفه من بعيد ممكن يصدقه.
رفعت عيني لمنى.
إيه ده؟
منى كانت واقفة قدامي، إيديها بتترعش، ووشها لسه عليه آثار الضړب.
ده اللي حصل وأنا غايب يا أحمد.
رجعت بصيت للكشكول.
أول سطر كان من حوالي تسعة شهور.
يعني بعد ما سافرت بأيام.
المبلغ خمسة وعشرون ألف جنيه.
المستفيد سارة أحمد الشاذلي.
وتحتهم إمضتي.
السطر التاني
المبلغ أربعون ألف جنيه.
المستفيد الحاجة نوال أحمد الشاذلي.
والتالت
المبلغ خمسة وثلاثون ألف جنيه.
المستفيد سارة أحمد الشاذلي.
المجموع كان مية ألف جنيه بالظبط.
لكن اللي خلاني أحس ببرودة في ضهري مش المبلغ.
كان فيه ملاحظة صغيرة مكتوبة على جنب الصفحة
المبلغ اتسلّم من أحمد، بموافقته، مقابل التنازل عن نصيبه في البيت.
فضلت باصص للجملة دي ثواني طويلة.
وبعدين سألت
هو أنا وقّعت على تنازل عن البيت؟
منى هزت راسها بالنفي.
لأ.
أمال الإمضا دي إيه؟
منى قربت مني، وفتحت صفحة تانية.
بص على التاريخ.
كان التاريخ قبل سفري بيومين.
والورقة دي كانت صورة من إيصال استلام فلوس، باسم سارة.
لكن في نفس اليوم ده، أنا كنت في الوحدة من الصبح لحد بليل.
وكنت فاكر إن أمي اتصلت بيا عشان تطمن عليّا.
ما كنتش أعرف إن في الوقت ده، حد كان بيستخدم اسمي وبيمضي مكاني.
قعدت على الكرسي، وحطيت الكشكول على الترابيزة.
منى إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت
عشان أنا اللي كنت بدفع الفلوس.
بصيتلها باستغراب.
إنتِ؟
أيوه. كل شهر كانوا بيطلبوا مني فلوس. مرة يقولوا مصاريف علاج، ومرة يقولوا إن فيه قسط لازم يتدفع، ومرة يقولوا إنك إنت اللي بعت الفلوس. ولما كنت أسأل عن الإيصالات، كانوا يقولوا لي إنتِ مالك؟ دي فلوس العيلة.
طب إزاي وصلوا لمية ألف؟
منى بصت للأرض.
أنا بعت دهبي.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
دهبك؟
هزت راسها.
الدبلة القديمة، والسلسلة اللي أمي كانت جايباهالي، والغويشة كلهم. وبعدين استلفت من
واحدة صاحبتي. ولما خلصت الفلوس، بدأت أخيط طول اليوم والليل. كنت بشتغل عشان أسدد، بس كل ما أسدد حاجة، يظهر طلب جديد.
وإنتِ ليه ما قلتيليش؟
ابتسمت ابتسامة مکسورة.
كنت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى