منوعات

جوزي وحماتي

الجزء السادس
رجعنا نفتش في أوراق جدي، ولقينا ظرفًا صغيرًا داخل صندوق قديم عليه اسمي، وفي داخله رسالة بخط يد جدي:
“مريم، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى فيه حاجة حصلت وأنا ماقدرتش أقولها لكِ. العقار مش هو أهم حاجة تركتهالك، فيه حساب استثماري قديم، ومفتاح الخزنة عند الشخص الوحيد اللي كنت واثق فيه.”
الشخص الوحيد؟
قرأنا باقي الرسالة، والاسم كان: رجب.
عم رجب.. الراجل اللي أنقذني من الشارع.
افتكرت إن الموضوع صدفة، لكن لما قابلناه بكى وقال:
“أنا كنت مستنيكي من زمان.”
طلع منه مفتاح صغير: “جدك اداني ده قبل وفاته بشهر.”
فتحت الخزنة، وكان جواها مستندات، تحويلات، عقود، وصورة قديمة.
الصورة كانت لجدي وخال كريم.
اتضح إن خال كريم كان شريكًا قديمًا لجدي، لكن الشراكة انتهت بعد اكتشاف تجاوزات مالية، جدي أنهى الشراكة، وخاله خرج من الشركة، لكن قبل ما يخرج… كان قد أخفى مجموعة مستندات تدينه.
جدي احتفظ بنسخ منها، وكان ناوي يسلمها للجهات المختصة، لكنه توفي قبل ما يعمل كده.
وهنا فهمنا كل شيء.
كريم لم يكن يحاول سرقة أموالي فقط، كان يحاول الوصول إلى ملف قديم؛ لأن المستندات اللي عند جدي كانت كفيلة بكشف خاله.

الجزء السابع
لكن فيه سؤال واحد فضل من غير إجابة: ليه كريم كان داخل في الموضوع؟
لأن كريم ماكانش مجرد زوج مغلوب على أمره، كان شريكًا ظهر ذلك في تحويلات سرية، وكان بياخد نسبة من كل مبلغ.
والأسوأ… إن حماتي كانت عارفة، لكنها لم تكن تعمل لحماية ابنها، بل كانت تحمي نفسها بعد تورطها في ديون ضخمة بسبب مشروع فاشل وعدها خاله بتسديدها.
وهكذا… دخل الثلاثة في الخطة: كريم، حماتي، وخاله.
لكن خاله كان أذكى؛ كان بيخلي كريم وحماتي يتحملوا الواجهة بينما هو يبعد نفسه، وفي اللحظة اللي بدأت القضية تكبر… اختفى.
لكن ليلى قالت: هو هيرجع.
ليه؟
لأنه هيفتكر إن عندنا آخر ورقة.
وفعلًا.. بعد أسبوعين جالي اتصال من رقم مجهول بصوت رجل قال: “لو عايزة تخلصي الموضوع، قابلي حد من طرفنا.”
قفلت، وبعدها بدقائق وصلتني رسالة: “إحنا عارفين مكان أختك.”
ماكانش عندي أخت، وفهمت إنهم بيهددوني، لكن ليلى قالت: “مترديش.”
وبالفعل، بلغنا الشرطة وتم تتبع الرقم الذي كان مسجلًا باسم شركة خال كريم.

الجزء الثامن
بعدها بأيام، ألقت الشرطة القبض على خال كريم، وبعد مواجهته بالمستندات، بدأ يتكلم.
قال إن كريم هو اللي اقترح استخدام حسابي، وكريم أنكر وقال إن خاله بيحاول يورطه.
ثم ظهرت رسالة صوتية بصوت كريم الواضح يقول فيها:
“مريم مش هتفهم حاجة. لو سألت، نقول لها البنك غلط. ولو فضلت تدور… أمي هتتصرف.”
الغرفة كلها سكتت.
وأخيرًا.. اتهارت حماتي واعترفت بالتحويلات، وأن الاعتداء لم يكن انفجارًا لحظيًا بل محاولة لإجباري على تسليم الملف.
لكنها قالت شيئًا لم أتوقعه: “كريم هو اللي اعتدى عليها أكتر مني.”
بصيت لها، ولأول مرة ماحسيتش بالغضب، بل حسيت بالشفقة على امرأة قضت عمرها تحمي ابنها لحد ما انتهى بها الحال إنها تخسره بنفسها.

الجزء التاسع
مرت سنة كاملة من التحقيقات، وفي النهاية صدر الحكم:

كريم أدين بالاعتداء والتسبب في إصابتي، والاستيلاء غير المشروع على أموال، والتورط في عمليات مالية غير قانونية.

حماتي أدينت بمشاركتها في التستر والمساعدة في إخفاء الأدلة.

أما خاله، فكانت قضيته الأكبر المتعلقة بالشبكة المالية والشركات والجهات الوهمية.

صدر الحكم على الثلاثة، لكن أهم شيء بالنسبة لي لم يكن الحكم، بل استرداد حقي.
رجعت لي معظم أموالي، والبيت ظل باسمي. وبعد فترة، بعت جزءًا منه بإرادتي لفتح مشروع صغير خاص بي.. مشروع باسمي، من غير زوج، من غير حماتي، ومن غير أي شخص يقولي: “إنتِ مش فاهمة.”

بعد سنتين
كنت قاعدة في مكتبي الجديد. النهار هادي والشغل ماشي، لحد ما دخلت السكرتيرة وقالت:

فيه ناس عايزين يقابلوكي.

مين؟

كريم ووالدته.
جسمي اتشد للحظة، بعدها أخدت نفسًا طويلًا وقلت:

خليهم يدخلوا.
دخل كريم، كان مختلفًا.. أضعف، ووجهه متغير. وبجانبه أمه التي لم تقدر على رفع عينيها.
قعدوا قدامي. قال كريم بصوت منكسر:

مريم.. أنا عارف إني ما استحقش أوقف قدامك، بس عشان خاطري.. سامحيني.
حماتي بدأت تبكي: “إحنا غلطنا.”
بصيت لهم بهدوء وقلت:

أنتم مش جايين عشان تسألوني أسامحكم.. أنتم جايين عشان ترتاحوا.

أنا ندمان.

الندم مش بيمسح اللي حصل.
فتحت درج مكتبي وطلعت صورة مطبوعة من الفيديو: حماتي واقفة فوق رأسي ووجهها فيه نفس الضحكة اللي ما نسيتهاش.

فاكرة الجملة اللي قلتيها؟ “نشوف مين هينقذك المرة دي”. حد أنقذني. وأنا مش جاية أنتقم منكم، أنا جاية أقول لكم إنكم خسرتوا لأنكم افتكرتوا إن القوة معناها إنكم تقدروا تكسروا شخص أضعف منكم.
أشرت للباب:

أنا عايزة أعيش حياتي بعيد عنكم.
وقف كريم، وقبل ما يمشي قال:

هو ممكن في يوم تسامحيني؟
بصيت له:

ممكن.. بس السماح مش معناه إني أرجعلك، ومش معناه إني أنسى، ومش معناه إنك تستحق فرصة تانية.
خرج، وخرجت أمه وراه.
وأنا فضلت قاعدة لأول مرة من غير خوف.

لكن السر الأخير..
كنت فاكرة إن كل شيء انتهى، القضية خلصت والفلوس رجعت وحياتي بدأت من جديد، لكن بعد حوالي شهر وصلني ظرف من النيابة جواه فلاشة مكتوب عليها: “دي آخر حاجة من ملف جدك.”
اتصلت بليلى فورًا وفتحنا الفلاشة، وكان تسجيل صوتي قديم لجدي يقول فيه:
“مريم.. خال كريم لم يكن وحده، كان هناك شخص من داخل البنك يساعده في تمرير التحويلات، وأنا عارف اسمه.”
ظهر الاسم على الشاشة.. كان اسم موظف البنك الذي تعاملت معه شخصيًا طوال السنوات الماضية، الرجل الذي كنت أظنه يساعدني!
التحقيقات الجديدة أثبتت أن دوره كان قديمًا، وأنه غادر البلاد قبل فتح القضية، والشرطة بدأت تبحث عنه.
لكن بالنسبة لي.. ماكانش ده أهم شيء، الأهم إنني أخيرًا فهمت لماذا ظل جدي يقول لي دائمًا: “ما تثقيش في اللي بيقول لكِ إنه بيحميك.”
لأن أكبر خطر في حياتي لم يكن الشخص الذي اعتدى عليَّ فقط، بل كان الشخص الذي جعلني أصدق أنني آمنة.

النهاية
بعد سنوات من الليلة دي، رجعت مرة للمكان اللي عم رجب لقاني فيه.
السوبر ماركت القديم اختفى ومكانه بقى عمارة جديدة.
وقفت هناك لدقائق، افتكرت نفسي وأنا مرمية على الأرض، فاقدة الوعي ومكسورة.. ومقتنعة إن حياتي انتهت.
ابتسمت.
لأنني عرفت وقتها إن اللي انتهى لم يكن حياتي، بل انتهى الجزء مني اللي كان بيخاف يقول “لا”، الجزء اللي كان بيسكت عشان البيت ما يتهدش، والجزء اللي كان بيصدق إن تحمل الأذى هو معنى الزواج.
رجعت مكتبي، فتحت درج صغير كان جواه مفتاح الخزنة وبجانبه صورة جدي، وتحت الصورة كتبت جملة واحدة:

“أنا نجوت.. مش لأنهم رحموني، لكن لأنني في اللحظة التي ظنوا أنني فقدت فيها كل شيء، كنت أبدأ في استعادة نفسي.”

أما كريم وأمه.. فبقوا مجرد فصل قديم في حياتي؛ فصل مؤلم، لكنه مغلق نهائيًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى