منوعات

جوزي وحماتي

لو سألتي تاني عن الفلوس دي، هتندمي على اليوم اللي اتجوزتي فيه ابني! دي كانت آخر جملة سمعتها من جوزي، كريم، قبل ما الدنيا تسود في وشي. ولما فتحت عيني، كنت مرمية ورا سوبر ماركت قديم، حافية، هدومي مقطعة، وجسمي كله واجعني لدرجة إني كنت حاسة إن نفسي بيتقطع.

اسمي مريم الشاذلي.
عندي أربعة وتلاتين سنة، ومتجوزة كريم بقالنا سبع سنين.
وطول السنين دي، كنت دايمًا بقول لنفسي إن مهما كان جوزي عصبي، ومهما كانت أمه ست صعبة وبتتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا…
مستحيل يوصل بيهم الحال إنهم يعملوا فيا كده.
كنت غلطانة.
הبرد كان بيعض في جسمي وأنا نايمة على الأرض.
ضهري لازق في الأسفلت، وجنبي شكاير مهملات جنب سور، ومن بعيد كنت سامعة صوت عربيات بتعدي في الشارع.
حاولت أقوم.
بس أول ما اتحركت، وجع جامد في ضلوعي، فوقعت تاني وأنا بكتم صرختي.
مديت إيدي على وشي، ولقيت آثار إصابة حوالين حاجبي.
بصيت حواليَّ وأنا مش فاهمة أنا فين.
شنطتي مش موجودة.
موبايلي مش موجود.
محفظتي مش موجودة.
وحتى الحذاء كان متخلع من رجلي.
للحظات، افتكرت إني اتسرقت.
لكن بعدها…
كل حاجة رجعت في دماغي مرة واحدة.
شقة جوزي في مدينة نصر.
الخناقة اللي حصلت في الصالة.
الملف البني اللي كنت حاطاه قدام كريم على الترابيزة.
واللحظة اللي وشه اتغير فيها أول ما سألته:
إنت سحبت الفلوس دي منين؟
الفلوس كانت من وديعة جدي الله يرحمه.
فلوس باسمي.
وكان المفروض تفضل محفوظة ليا.
لكن من كام أسبوع، بدأت ألاحظ تحويلات غريبة طالعة من الحساب.
مبالغ كبيرة.
وكل ما أسأل كريم، يتهرب.
مرة يقول لي البنك لخبط.
ومرة يقول لي إن الموضوع شغل ومحسابات.
ومرة يقفل الكلام خالص ويقول:
إنتِ مالك ومال الحسابات؟ الفلوس فلوس جوزك في الآخر.
بس المرة دي كنت جايبة كل المستندات.
وحاطة كل التحويلات قدامه.
ولما واجهته…
دخلت أمه، الحاجة نوال.
حماتي.
الست اللي من أول يوم جوازنا وهي شايفة إن كل حاجة تخص ابنها تخصها هي كمان.
قفلت باب الشقة وراها، وبصتلي وقالت:
إنتِ بتفتشي ورا جوزك يا مريم؟
رديت وأنا بحاول أتماسك:
أنا مش بفتش وراه. دي فلوسي، وأنا لقيت تحويلات طالعة من غير إذني.
كريم قام من مكانه، وشه كان متغير:
اخرسي بقى!
قلت له:
لأ، المرة دي مش هسكت. أنا عايزة أعرف الفلوس راحت فين.
حماتي قربت مني وقالت بصوت واطي:
إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي في إيه.
بصيت لها باستغراب:
يعني إيه؟
لكن كريم كان فقد أعصابه.
وبعدها حصلت الحاجة اللي عمري ما هقدر أنساها.
الاعتداء بدأ.
حاولت أبعد عنه، وحاولت أستخبى، لكن مفيش فايدة.
كنت بطلب منهم يسيبوني.
وحماتي؟
بدل ما توقف ابنها…
كانت واقفة بتتفرج، بل وكانت ماسكة موبايلها بتصور!
فاكرة صوت ضحكتها لحد دلوقتي وهي بتقول:
بصي لنفسك كده! طول عمرك عاملة فيها مظلومة. أهو دلوقتي نشوف بقى مين هيصدقك!
وبعدين سمعتها تقول:
نشوف مين هينقذك المرة دي!
بعدها…
مافتكرتش حاجة.
لحد ما فتحت عيني في الشارع.
وبصيت حواليَّ وساعتها عرفت المكان.
كنت ورا سوبر ماركت قديم في شبرا الخيمة.
بعيد جدًا عن بيتنا.
أنا مستحيل أكون وصلت هنا لوحدي.
هما اللي جابوني.
هما اللي رموني.
ولما أخدوا موبايلي وبطاقتي وشنطتي، ماكانوش بيحاولوا يخوفوني، بل كانوا عايزين يخلوني من غير أي وسيلة أطلب بيها النجدة.
حاولت أزحف ناحية الشارع، لكن جسمي ماكانش قادر يشيلني.
وفجأة، عربية وقفت قريب مني.
اتخضيت جدًا وافتكرت إن كريم رجع.
لكن راجل كبير نزل من العربية، ولما شافني رفع إيده وقال:
اهدي يا بنتي… متتحركيش. أنا هطلب الإسعاف.
كان اسمه عم رجب.
راجل كبير في السن، شغال غفير في مخزن قريب.
أول ما شاف حالتي، خلع الجاكت بتاعه وغطاني بيه، وفضل واقف جنبي لحد ما الإسعاف وصلت.
بعدها الدنيا ضلمت تاني.
ولما فتحت عيني…
كنت في المستشفى.
الدكتور قال إن عندي تلات ضلوع متأثرة، إصابة في الوجه، ارتجاج خفيف، وكدمات متفرقة.
قعدت في المستشفى كام يوم.
وفي اليوم الرابع، دخلت عليا ظابطة ومعاها أمين شرطة.
قالتلي:
أنا النقيب سارة. احكيلي من البداية.
حكيت.
حكيت كل حاجة.
عن الفلوس.
عن التحويلات.
عن الخناقة.
عن اعتداء كريم.
وعن حماتي وهي بتصورني.
النقيب سارة فضلت ساكتة وهي بتكتب، وبعدين قفلت الدفتر وبصتلي:
مريم… جوزك وحماتك قالوا كلام تاني خالص.
قلبي دق بسرعة.
قالت:
بيقولوا إنك دخلتِ في حالة عصبية، وإنك إنتِ اللي بدأتي الخناقة وهاجمتي جوزك، وبعدها خرجتي من البيت لوحدك.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة:
يعني أنا اللي آذيت نفسي؟
النقيب سارة ماعلقتش، وكمّلت:
وبيقولوا إنهم مايعرفوش إزاي وصلتي للمكان اللي اتلاقيتي فيه.
سكتُّ.
في اللحظة دي فهمت.
هما مش بس اعتدوا عليا…
هما كانوا محضرين رواية.
رواية يطلعوا فيها هما الضحايا…
وأنا الزوجة اللي مش مستقرة وبتعمل مشاكل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
النقيب سارة قالت:
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها. كريم وحماتك بدأوا يكلموا قرايبك ومعارفك من أول يوم، وبيقولوا إنك من فترة مش طبيعية، وإنك بتتصرفي بشكل غريب.
سكتُّ تمامًا.
وقتها فهمت إن اللي حصل ماكانش مجرد مشكلة انتهت، دي كانت خطة.
كانوا عايزين لما أقول الحقيقة…
محدش يصدقني.
لكنهم ماكانوش يعرفوا حاجة واحدة.
إن قبل الليلة دي بكام يوم…
أنا كنت واخدة نسخة من الملف اللي قلب حياتهم.
ملف فيه تحويلات، أسماء، تواريخ، وتوقيعات.
وأنا لسه ماكنتش عارفة إن أول ورقة في الملف كانت مجرد بداية لحكاية أخطر بكتير.
لأن الفلوس اللي اختفت من حسابي…
ماكانتش هي السر الحقيقي.
السر الحقيقي كان: الفلوس دي راحت لمين؟
وليه كريم كان مستعد ينهي كل حاجة عشان يمنعها تعرف الإجابة؟
وأكتر سؤال كان مرعبني:
إيه اللي كانت حماتي بتصوره بالموبايل وهي بتضحك؟
ماكنتش أعرف وقتها إن الفيديو اللي صورته…
هيبقى بعد سنتين بالظبط…
أكبر غلطة ارتكبوها هما الاتنين.

الجزء الثاني
بعد ما خرجت من المستشفى، أول مكان رحت له ماكانش بيت أهلي.
كان مكتب محامية.
اسمها الأستاذة ليلى منصور.
ست في أوائل الأربعينات، هادية بشكل غريب، وكل ما أحكيلها تفصيلة كانت تسألني سؤالًا واحدًا:
عندك دليل؟
في البداية كنت متضايقة.
كنت لسه خارجة من المستشفى، جسمي مليان كدمات، وجوزي وأمه بيقولوا إني أنا السبب.
كنت محتاجة حد يقول لي أنا مصدقك.
لكن ليلى ماقالتش كده، وقالت:
أنا مصدقاكي، لكن المحكمة مش بتبني أحكامها على اللي أنا مصدقاه. إحنا محتاجين نخلي الحقيقة تتكلم.
طلعت لها نسخة الملف.
حطيتها قدامها.
فتحت أول ورقة، ثم الثانية، ثم الثالثة.
وفجأة رفعت عينيها:
مريم… إنتِ كنتِ عارفة إن فيه تحويلات، لكن واضح إنك مش عارفة كل حاجة.
يعني إيه؟
قلبت الورقة وقالت:
الحساب اللي الفلوس راحت له مش باسم كريم.
سكتُّ:
باسم مين؟
قالت:
شركة.
كتبت الاسم على ورقة ودفعتها ناحيتي.
قرأت الاسم: “النور للتوريدات الطبية”.
الاسم ماكانش غريبًا عليَّ، بل كان مألوفًا جدًا.
لأن صاحب الشركة…
كان خال كريم.
الرجل اللي طول عمره قدام الناس رجل أعمال محترم، وبيساعد الجمعيات الخيرية.
بصيت لليلى:
يعني كريم كان بيدي فلوسي لخاله؟
هزت رأسها:
مش بالبساطة دي.
وأشارت إلى التوقيعات:
بصي هنا.
قربت الورقة.
التوقيع كان توقيع كريم.
لكن التاريخ كان قبل أول تحويل بأسبوعين.
قالت:
التوقيع ده على تفويض مالي. ولو التوقيع صحيح، يبقى جوزك كان بيحاول يدي نفسه صلاحية يتصرف في جزء من فلوسك.
بلعت ريقي:
بس أنا ماوقعتش على أي حاجة.
قالت:
وده بالضبط اللي لازم نثبته.
ثم قالت جملة جعلتني أحس لأول مرة إنني ربما أقدر أواجههم:
اللي حصل لكِ مش نهاية القصة يا مريم. ده أول يوم فيها.

الجزء الثالث
بعد يومين، رفعت محضر رسمي.
اعتداء، إيذاء، احتجاز، وسرقة متعلقات شخصية.
لكن كريم ومحامي عائلته كانوا أسرع مما توقعت.
بدأت تظهر شهادات من ناس ماعرفهمش.
واحدة قالت إنني كنت عصبية جدًا، ورجل قال إنه شافني قبل الواقعة بيوم وأنا بتخانق مع كريم، حتى واحدة من جيران حماتي قالت إنني كنت دائم افتعال المشاكل.
كنت بسمع الكلام وأحس إني في كابوس.
كل حاجة كانوا بيعملوها كانت محسوبة.
لكن ليلى كانت هادية.
وفي يوم، دخلت المكتب وهي ماسكة ملف جديد، وقالت:
عندي خبرين.
إيه؟
الأول وحش.
سكتُّ.
كاميرات العمارة اللي ساكن فيها كريم اتمسحت.
قلبي وقع.
والتاني؟
ابتسمت لأول مرة:
كاميرا المحل اللي تحت العمارة مااتمسحتش.
فتحت اللابتوب وشغلت التسجيل.
ظهر كريم وهو خارج من باب العمارة، كان بيبص حواليه، وبعده بدقائق خرجت حماتي.
لكنهم ماكانوش لوحدهم.
كان فيه شخص ثالث: عامل نقل.
والأهم…
إن العربية اللي ركبوا فيها كانت واضحة جدًا، ورقم اللوحة ظهر كامل.
ليلى قالت:
دي أول خيط.
لكن الخيط ده كشف لنا حاجة أسوأ؛ العربية ماكانتش بتاعت كريم، كانت تابعة لشركة خاله.

الجزء الرابع
بدأنا نمشي ورا التحويلات.
المبالغ كانت كبيرة، أكبر من كل اللي كنت متخيلة.
وفي كل مرة الفلوس تدخل شركة خال كريم، تخرج بعدها بأيام لحسابات مختلفة.
لكن فيه اسم واحد بيتكرر:
نوال عبد الحميد.
حماتي.
بصيت لليلى:
حماتي؟
أيوه.
بس هي ماعندهاش شركة!
قالت:
عندها حساب استثماري قديم.
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
أنا كنت فاكرة إن كريم هو اللي بياخد فلوسي.
لكن الحقيقة كانت أكبر؛ الاتنين كانوا بيقسموا الفلوس.
والغريب إن التحويلات بدأت قبل المشكلة بيني وبين كريم بمدة طويلة.
يعني الأزمة ماكانشت بسبب خناقة عابرة، بل كانت بسبب إنهم خافوا إني أوصل للحقيقة.
لكن السؤال الأهم ظل: ليه محتاجين فلوسي؟
بعد أسابيع من البحث، ظهرت الإجابة.
شركة خال كريم كانت مديونة ديون ضخمة، وكانت على وشك الإفلاس.
فبدأوا يحولوا أموال من حسابات عائلية مختلفة، ويدخلوا جزءًا منها في الشركة كأنها استثمارات.
فلوسي كانت واحدة من مصادر الإنقاذ.
لكنهم كانوا محتاجين مبلغ أكبر، وكان عندي شيء آخر:
بيت جدي.
العقار اللي كان باسمي.
وقتها فهمت ليه كريم كان طول الوقت يحاول يقنعني أبيعه.
كان بيقول: “البيت ده مجمد فلوس. نبيعه ونشتري حاجة أحسن.”
لكن الحقيقة… كانوا عايزينه عشان يسددوا باقي الديون.
ولما رفضت… بدأت الخطة.

الجزء الخامس
مرت شهور، والقضية اتحولت للنيابة، والتحقيقات بدأت تكشف حاجات أكتر.
لكن كريم فضل ينكر، وحماتي فضلت تنكر، وخاله اختفى تقريبًا من المشهد.
كنت فاكرة إن القضية هتاخد وقت طويل، وفعلًا أخدت.
لكن بعد حوالي سبعة شهور، حصل شيء غيّر كل حاجة.
كنت في مكتب ليلى لما وصلها إيميل. فتحته وفضلت ساكتة.
قلت: في إيه؟
قالت: الفيديو.
فيديو إيه؟
رفعت عينيها وقالت: حماتك.
اتجمدت.
الفيديو اللي كانت بتصوره يوم ما رموكي في الشارع… حد لقى نسخة منه.
قلبي بدأ يخبط: مين؟
مش عارفة لسه.
فتحت الملف. الفيديو كان قصيرًا، والصورة مهزوزة.
صوت حماتي واضح، صوت كريم واضح، ووجهي ظاهر على الأرض.
لكن بعد ثوانٍ…
ظهر شيء ماكنتش شوفته قبل كده.
حماتي قربت من الكاميرا وقالت: “اقفل التصوير.”
ثم قالت لكريم: “خد الورق من شنطتها.”
كريم رد: “خدته.”
قالت: “كله؟”
قال: “الملف كله.”
سكتُّ.
الملف.
مش الموبايل، ومش الفلوس… الملف!
كانت حماتي عارفة إن معايا المستندات، وكانوا عايزين يتأكدوا إنها اختفت.
لكن الفيديو ماكانش المفاجأة، المفاجأة كانت آخر خمس ثوانٍ.
قبل ما ينتهي التسجيل، سمعنا صوت حماتي وهي بتقول:
“لو فتحت عينيها قبل ما نمشي، هتعرف إن اللي حصل مش أول مرة.”
ليلى أوقفت الفيديو وبصت لي:
مريم… مش أول مرة؟
قلت: أنا مش فاهمة.
لكن عقلي كان بدأ يربط حاجات قديمة.
قبل سنة من اللي حصل، حصلت واقعة غريبة؛ جدي كان مريضًا، وكان فيه ورق ناقص من البيت، ووقتها كريم قال لي: “أكيد جدو نسي مكانه.”
لكن جدي قبل وفاته بأسبوع قال لي:
“لو حصل لي حاجة، ماتصدقيش أي ورقة تظهر قدامك.”
وقتها ما فهمتش قصده، ودلوقتي بدأت أفهم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى