
خرجت من الباب وسافرت في نفس الليلة وقعدت أجري بالعربية وأنا مش شايف قدامي من الخوف، كنت بضغط على البنزين وأنا مش فاكر الطريق وكل دقيقة كنت أتخل ابني يموت وأنا واقف بعيد وفي دماغي سؤال واحد بس يا ترى لسه عايش ولا لأ.
لما وصلت المستشفى جريت على الاستقبال وقلت اسم ابني، الموظف بصلي وقال لي الطفل في الطوارئ والدكتور طلب حضور ولي أمره، قلت له أنا أبوه.
دخلت لقيت مراتي الأولى واقفة جنب باب الطوارئ وشكلها كان مختلف تماما عن الست اللي سبتها قبل أسبوع، شعرها مبهدل وعينيها منفخة وهدومها عليها آثار تراب وكانت ماسكة شنطة صغيرة فيها هدوم الطفل، ولما شافتني ماجتش عليا وماصرختش في وشي ماعملتش أي حاجة من اللي كنت متوقعها، بس قالت لي جملة واحدة خلت رجلي ما تشيلنيش قالت لي إنت جيت ليه دلوقتي، قلت لها أنا أبوه قالت لي أبوه كان لازم يبقى هنا من أول لحظة.
الدكتور خرج وقتها وقال لي حضرتك والد الطفل قلت له أيوه، قال لي ابنك حالته كانت خطيرة جدا والحرارة العالية سببت له تشنجات متكررة وكان لازم يتنقل فورا واتعملت له إسعافات والحمد لله استجاب لكن لسه تحت الملاحظة، قلت له يعني هيعدي قال لي ماقدرش أضمن لك دلوقتي لكن الساعات الجاية مهمة جدا.
سألت الدكتور هل كان ممكن يحصل له حاجة خطيرة قال لي طبعا التأخير في حالات زي دي مش حاجة بسيطة.
وبعد ما الدكتور مشي بصيت لمراتي الأولى لقيتها ساكتة قلت لها أنا آسف، قالت لي متقولهاش قالت لي إيه قلت لها آسف قالت لي الكلمة دي مش هترجع اللي حصل ولا هتخليني أنسى إنك لما اتصلت بيك كنت بتسمعني وأنا بقول لك ابنك يموت وقلت لي مبالغة وقفلت في وشي، حسيت بوجع في صدري قلت لها أنا كنت غلطان، قالت لي لأ إنت ماكنتش غلطان بس إنت اخترت، ودي أهم حاجة لازم تفهمها إنت اخترت لما كان قدامك طريقين اخترت راحتك ورضا واحدة تانية على حساب ابنك وأنا مش هقدر أنسى اللحظة دي أبدا.
قلت لها حقك عليا قالت لي حقي مش عندك قالت لي حقي عند ربنا، وبعدها سابتني وراحت تقعد جنب باب الطوارئ وأنا لأول مرة في حياتي ماعرفتش أرد عليها فضلت واقف لحد الفجر.
ولما الدكتور خرج قال إن حالة ابني استقرت مؤقتا وإنه محتاج متابعة وبعدها سمحوا لنا نشوفه، دخلت عليه لقيته نايم ووشه شاحب وأسلاك وأجهزة حواليه، قربت منه ومسكته من إيده وقلت له بابا هنا، لكن أول ما قلتها حسيت إني كذاب لأن باباه كان المفروض يكون هنا من أول دقيقة.
خرجت من المستشفى الصبح وأنا مكسور وركبت العربية ورجعت البيت لأول مرة من غير ما يكون في حد مستنيني، ولما فتحت الباب لقيت البيت ساكت جدا، لعب الأطفال مرمية في الأرض وطبق الأكل اللي كانت مراتي الأولى محضراه من يومين لسه في التلاجة، وفوق السفرة ورقة صغيرة مكتوب فيها هات مصاريف المدرسة بكرة.
وأنا واقف قدام الورقة افتكرت كل مرة كنت أقول فيها إن التانية تستحق أكتر لأنها محرومة من الخلف وأنا كنت بأديها معظم مرتبي بينما ولادي كانوا بيحسبوا مصاريف المدرسة والدواء والأكل، وافتكرت ابني وهو في المستشفى وافتكرت إني كنت في فندق غالي بصرف في الليلة الواحدة مبلغ كان يكفي مصاريف البيت أسابيع طويلة، لأول مرة حسيت بالخزي الحقيقي.
مسكت التليفون واتصلت بالتانية كانت قافلة، وبعد ساعات بعتت لي رسالة قصيرة قالت فيها متتصلش بيا تاني أنا اكتشفت إنك مش الرجل اللي كنت فاكرة إنك إياه، وأنا كنت فاكر إن الرسالة دي هتزعلني لكن الغريب إني مازعلتش كنت موجوع بس من نفسي أكتر.
بعدها رجعت المستشفى وقعدت جنب ابني لحد ما فاق، ولما فتح عيني وبصلي قال بابا أنا خفت، قلت له وأنا كمان خفت يا حبيبي حضنته وفضلت أبكي وهو مش يفهم أنا بعيط ليه، مراتي الأولى كانت واقفة بعيد ولما شافتني ببكي قالت لي ابني محتاج هدوء قلت لها حاضر، قالت لي ولو عايز تصلح حاجة في حياتك متصلحهاش بالكلام أصلحها بالفعل.
وأنا وقتها فهمت إن أصعب حكم ممكن يسمعه الإنسان هو إن الشخص اللي ظلمه مايبقاش عايز ينتقم منه لأنه فقد الثقة فيه.
وبعد ما خرج ابني من المستشفى بدأت مرحلة جديدة تماما، قلت لمراتي الأولى أنا عايز أصلح اللي عملته قالت لي إصلاح إيه قلت لها كل حاجة قالت لي مش هتقدر تصلح كل حاجة قلت لها هحاول قالت لي حاول من غير ما تطلب مني أسامحك بسرعة.




