منوعات

الطبيب نظر إلى صورة الأشعة… ثم التفت إلى الزوج وقال: الحقيقة أصعب مما تتخيل!

توقفت أنفاسي.
ها هو السلاح الذي يعرف أنه يشلني تمامًا.
لم يهددني أنا هذه المرة… هدد ابنتيّ.
كان يعرف دائمًا أين يوجه أكثر كلماته قسوة.

لاحظت زينب الخوف الذي ظهر فورًا على وجهي، فتقدمت ووقفت بيننا.
قالت:

أستاذ، لازم تطلع من الغرفة.
رد حيدر:

هي مرتي على سنة الله ورسوله.
قالت بصرامة:

وهي الآن مريضة مصابة وتحتاج إلى الحماية. اطلع.

ضغط حيدر على أسنانه، نظر إلى الطبيب، ثم إلى زينب، وأخيرًا إليّ.
كان يفكر كعادته: ماذا يستطيع أن يفعل قانونيًا؟ وإلى أي حد يمكنه الضغط؟ ومتى يتراجع مؤقتًا حتى يعود بطريقة أخرى؟
وفي النهاية، مال قليلًا نحوي وقال:

الموضوع بعده ما انتهى.
ثم استدار وغادر.

أُغلق الباب الثقيل خلفه بصوت واضح.
وللمرة الأولى منذ ما يقارب عشر سنوات، لم أشعر أن الغرفة زنزانة مغلقة… شعرت أنها حصن.

اقتربت زينب من سريري بلطف، وقالت بصوت أخف:

لازم أسألج بعض الأسئلة الروتينية، لكن قبل كل شيء لازم أعرف فورًا: بناتج الآن وحدهن بالبيت؟

ذلك السؤال وحده جعل قلبي يقفز من الخوف.
بناتي.
كنت قد تركتهن في الصباح عند الحاجة أم جاسم، المرأة الكبيرة التي تسكن في البيت المقابل، قبل أن يسحبني حيدر إلى الساحة ويتحول كل شيء بعدها إلى صراخ وطنين وظلام.
هل بقيتا عندها؟ هل عاد حيدر وأخذهما؟ هل جاءت أمه وأخذتهما معها؟
قلت بصوت مكسور:

ما أعرف… والله ما أعرف وينهن هسه.

نظرت زينب إلى الممرضة، فخرجت الأخيرة فورًا إلى الممر وهي تمسك هاتفها وتبدأ الاتصال.
قالت زينب وهي تحاول طمأنتي:

راح نعرف مكانهن الآن. لكن أحتاج منج تحجين الحقيقة كلها يا سارة. الحقيقة كاملة، حتى يكون عندي سند قانوني أحمي بيه البنات أيضًا.

الحقيقة كاملة.
يا لها من فكرة مرعبة بعد سنوات تعلمت فيها ألّا أقول شيئًا.
بدأت ببطء.
لم أبدأ من أول مرة أساء فيها إليّ، ولا من يوم ولادة ابنتيّ حين رفضت حماتي أن تحملهما، ولا من صباحات الساحة الطويلة.
بدأت بجملة صغيرة واحدة:

الموضوع مو بس اليوم.

وبعدها انفتح كل شيء.
حكيت لها عن الاعتداءات المتكررة، وعن الإهانات، وعن المرات الكثيرة التي كنت ألف فيها وشاحًا سميكًا حول رقبتي حتى أخفي الآثار، وعن والدته التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة وتسمعني ثم تكتفي بالدعاء.
حكيت عن الليالي التي كانت ابنتاي تختبئان فيها داخل الخزانة وتغلقان أذنيهما بأيديهما الصغيرتين، وعن الصباحات التي كنت أقف فيها في المطبخ وأجهز فطوره بعين متورمة.

لم تقاطعني زينب مرة واحدة، بل كانت تكتب بهدوء وثبات، وتسألني بين وقت وآخر بلطف عن تاريخ محدد، أو عدد المرات، أو اسم شخص.
كان الطبيب واقفًا قريبًا منا، يهز رأسه بملامح قاتمة، وكأن الكسور القديمة الظاهرة أمامه على الجهاز تؤكد كل كلمة أقولها.

وحين انتهيت من الكلام، شعرت أنني فارغة تمامًا.
لم أشعر أنني شُفيت فجأة، ولم أشعر أنني أصبحت حرة بالكامل.
شعرت فقط بأن كل شيء داخلي أُفرغ، مثل بيت مهجور أخرجوا منه الأثاث المكسور وبقيت جدرانه واقفة وحدها.

بعد نحو ساعة، دخلت فنية الأشعة الصوتية حتى تفحص الجنين.
رفضت النظر إلى الشاشة، كنت خائفة من أن أتعلق بحياة صغيرة قد تكون مهددة داخل جسدي المتعب.
لكن الفنية سألتني بصوت ناعم:

تحبين تسمعين نبضه؟
أومأت إيماءة خفيفة.

وفجأة، امتلأت الغرفة بصوت سريع، ثابت، وعنيد:
دق دق… دق دق… دق دق.

أغمضت عيني بقوة، وسالت الدموع الساخنة على خدي.
لم أكن أعرف إن كنت أريد هذا الحمل فعلًا، أم أنني فقط خائفة من كل ما يحدث.
لم أكن أعرف هل يستطيع جسدي أن يتحمل، ولا إن كان الجنين ولدًا أم بنتًا.
وللمرة الأولى في حياتي، أدركت أنني لا أهتم.
مجرد سماع ذلك الصوت في داخلي… حيًا، متمسكًا، مقاومًا… حطم ما بقي مني، ثم جمع أجزائي في اللحظة نفسها.

ابتسمت الفنية بتعاطف وقالت:

هي بعدها متمسكة وقوية، لكن لازم نتابعها بدقة كبيرة.
-هي؟
لم تكن تقصد أنها بنت، كانت مجرد كلمة عابرة.
لكنها جعلت عقلي يذهب فورًا إلى ابنتيّ.
تذكرت ضفائرهما غير المرتبة، وأقدامهما الصغيرة وهي تركض في ممر البيت، وتذكرت الطريقة المؤلمة التي كانتا تتوقفان بها فجأة مثل تمثالين حين تسمعان خطوات حيدر الثقيلة عند باب المنزل.
فكرت في كل ما رأته أعينهما، وفي كل ما كنت أسميه صبرًا وتحملًا بينما كان في الحقيقة خوفًا يشلني.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى