قصص وروايات

جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد

جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد و طول عمرها بتكرهني انا وبنات عمي، واما حست انها هتموت جمعتنا واصرت تاكلنا من اديها، الكل سامحها وقعد الا انا اخدت شنطتي ومشيت وقبل ما اوصل جاتلي مكالمه من امي وهيه بتعيط وبتقول الحمد لله انك مشيتي يا بنتي !!!!

لو هنختار أكتر بني آدمة على وش الأرض بتحب الولاد، فبدون شك هي جدتي.
كرهها للبنات ورغبتها في الولد كانت واصلة لحد المرض والوسواس.
بس الشئ الغريب.. إن ربنا كأنه كان بيختبرها!
عمي الكبير، وأبويا، وعمي الصغير.. التلاتة إخوات، ولا واحد فيهم عرف يجيب ولد!
عمي الكبير خلف بنت واحدة اسمها وفاء.
وأبويا مفيش غيري.. خلود.
وعمي الصغير جاب بنتين.. داليا وشهد.
أربع بنات .. ومفيش ولد واحد يشيل اسم العيلة!
عشان كده، من صغرنا وإحنا بنسمع جملة واحدة جدتي بتكررها زي النشيد المعتاد:
أكيد العيلة فيها حاجة غلط!
تلات رجالة مش عارفين يجيبوا لي حتة ولد يشيل اسمنا؟!
خلفة بنات.. بكره يروحوا للغريب وياكلوا خيرنا!
كل موسم ولا عيد متخليش اولادها يدونا عديه زي باقي العيال وتقول:
البنات رايحين لبيوت جوزهم، واللي يديهم فلوس كأنه بيرمي في بحر!
وحتى الأكل كان بيتقسم بطريقة تفارق بيننا وبينهم..
لما يطبخوا لحمة، تنادي على عمي وأبويا وعمي الصغير يقعدوا على الترابيزة ياكلوا، وإحنا الأربعة نقعد بره، كل واحدة قاعدة لوحدها.
لما كان عندي سبع سنين، ريحة اللحمة ضايقتني، ومن يومها أي أكل من إيدها حرمت ألمسه.
عشان كده.. لما أبويا كلمني بعد اكتر من عشرين سنة ويقولي إن جدتي في أنفاسها الأخيرة وطالبة تشوف البنات الأربعة للمرة الأخيرة..
أول إحساس جالي ما كانش حزن ولا شفقة.. كان خوف وشك.
سألت أبويا باستغراب: هي جدتي عاوزة تشوفني أنا بالذات؟
أبويا سكت شوية وتنهد: أيوه يا خلود.. قالت عاوزة تشوفكم الأربعة قبل ما تفارق.
قلت له وأنا مش مستوعبة: مش دي اللي كانت بتقول شوفتنا بتقصر عمرها؟ إيه اللي اتغير دلوقتي؟
أبويا حس بترددي فقال لي بقلة حيلة: يا خلود.. عارف إن القديم لسه معلم فيكي، بس الست بتموت.. تعالي شوفيها نظرة أخيرة وخلاص عشان خاطر ربنا.
في الآخر اضطريت أستأذن من شغلي وأخدت القطر ونزلت البلد.
أول ما دخلت البيت القديم، لقيت القرايب كلهم ملمومين.
عمي الكبير، عمي الصغير، أبويا وأمي.. وبنات عمي وفاء، وداليا، وشهد كانوا وصلوا قبلي.
جدتي كانت نايمة على السرير في الصالة الكبيرة.
كانت خسيت أوي عن آخر مرة شفتها.. وشها أصفر، وخدودها داخلة لجوه، وشعرها الأبيض منكوش على المخدة، ونفسها طالع بالعافية.
بس أول ما لمحتنا إحنا الأربعة واقفين، حاولت تسند إيدها وتقعد بطلوع الروح:
جيتوا كلكم؟.. تعالوا.. تقربوا اقعدوا جنبي.
وما حدش فينا كان متوقع الكلام اللي قالته بعد كده:
زمان.. أنا ظلمتكم كتير يا بناتي.
الصالة كلها سكتت.
أنا فضلت واقفة مكاني في لحظات شكيت في وداني.. جدتي بتعتذر؟!
الست اللي عمرها ما قالت كلمة عدلة في حقنا، جاية بتبكي وتطلب السماح؟!
دموعها نزلت على وشها وقالت:
أنا عشت عمري كله مخي مقفول.. كنت فاكرة إن العيلة هتنتهي لو مفيش ولد.. وكان قلبي بيتعصر كل ما أشوفكم.
بس وأنا نايمة هنا الفترات اللي فاتت، فكرت كتير.. ما أنتُم برضه من دمي.. أنا اللي كنت عاصية وظالمة.
داليا بدأت تمسح دموعها.. وشهد دورت وشها وهي بتعيط.. وحتى وفاء الكبيرة وُشها أثّر فيه الكلام.
أنا بس اللي فضلت باصة لها بجمود.
مش عارفة ليه، كل ما كانت بتتكلم، كل ما كان قلبي بيقبض والإحساس بالخطر بيزيد جوايا!
وفجأة.. جدتي زقت الغطاء وقامت!
عمي الكبير اتخض: يا أمي رايحة فين بس؟! أنتِ تعبانة!
شالت إيده بتعب وقالت: أنا مش فاضل لي كتير.. قبل ما أقابل ربنا، عاوزة أعمل لكم أكلة حواوشي بإيدي زي زمان.
عمي قال لها: يا أمي أنتِ حيلك مهدود، حواوشي إيه بس؟!
قالت وهي بتهز رأسها بإصرار: لازم أعملهم عشان أستريح.
وقامت بتتسند على العكاز ورايحة على المطبخ بخطوات بطيئة.
داليا وشهد جريوا عليها بدموع: يا ستي خلاص إحنا مش زعلانين منك والله! ارتاحي أنتِ وإحنا هنعمل العجين والتتبيلة!
ووفاء قامت عشان تجهز الفرن.
الثلاثة اشتغلوا معاها..

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى