
تتحرك أقدام المعزين ببطء على التراب الرطب، وتحمل الأكتاف نعشاً يضم بين ضلوعه شاباً فارع الطول، وسيم المحيا، خطفه الأجل بغتة بسكتة قلبية لم تترك له وقتاً لتوبة أو وداع. ساد صمت رهيب، لا يقطع خشوته إلا دقات الحزن الخفي ووقع النعال.
تقدم شقيقه الأكبر، الشاب الملتزم بدينه، بخطوات تثقلها لوعة الفراق. نزل إلى حفرة القبر المظلمة، وبدأ يمهد اللبن ويوضع أخاه في لحده. تجمعت الدموع في عينيه، وانحدرت ساخنة على خديه وهو يتذكر طفولتهما معاً ومغامرات الصبا. كم كانت تلك اللحظة صعبة، قاسية، تذيب القلوب وتوقظ الغافلين.
لكن ما إن حان الوقت لتسوية اللحود وكشف وجه المتوفى لتوجيهه نحو القبلة، حتى جفت الدموع في مآقي الأخ فجأة. تملكت الرهبة جوارحه، وتجمد الدم في عروقه. اتسعت عيناه غير مصدق لما تراه بصره. تراجع للخلف من شدة الفزع وهتف بصوت خافت مرتعش:
ماذا أرى؟ مستحيل… مستحيل أن يكون هذا أخي!
أسرع في ردم القبر وتسويته بالتراب، وكأنما يريد أن يواري سراً مرعباً عن أعين الناس. خرج من المقبرة بخطوات مترنحة، ووقفت قواه. وقف بعد ذلك ليتلقى واجب العزاء، لكن جسده كان حاضراً وروحُه تائهة في عوالم أخرى؛ فكره كله مشدود إلى ذلك المنظر الفظيع الذي شاهده في جوف الأرض.
كانت نساء الحي والأسرة يملأن المكان بالبكاء والنحيب، حسرة على شبابه الغض الذي ذهب أدراج الرياح. إلا امرأة واحدة وسط جموع الحاضرات، كانت تقف بهدوء مريب وخالٍ من الدموع؛ إنها زوجته.
في خضم التلقي، رن جرس الهاتف المحمول الخاص بالأخ. تناولت إحدى السيدات الهاتف من جيبه وناولته له، هامسة بأن زوجة الراغب في التحدث هي زوجة أخيه المتوفى من بعيد، تطلب منه مكالمة طارئة.
أخذ الهاتف بصوت يغلبه الإرهاق:
السلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله، عظم الله أجرك.
أجرنا وأجرك.
توقف الأخ قليلاً، مسترجعاً ذلك البرود العجيب الذي يسمع نبرته عبر سماعة الهاتف، والذي لا يتناسب أبداً مع هول المصيبة وفجيعة الموت. قرر أن يواجهها بما عاناه في الداخل، فقاطع صمت المكالمة قائلاً بصوت مشحون بالتوتر:
أسمعي، قبل أن نكمل، هناك أمر غريب جداً حدث معي في المقبرة، وأريد تفسيراً واضحاً له منكِ أنتِ وحدكِ.
سألته الزوجة ببرود لم يتغير:
وماذا حصل؟ تحدث وكأنك راءٍ عجباً.
أخذ الأخ نفساً عميقاً، وحاول ضبط خفقات قلبه قبل أن ينطق بالكلمات التي توقف لها عقله:
عندما كشفت عن وجه أخي في اللحد… وجدته يشبه وجه…
صمت الأخ فجأة، وعقد لسانه الرعب، كأن الكلمات تأبى الخروج من حلقه.
صاحت الزوجة باستعجال ولهفة غير مألوفة في مواقف الموت:
وجه ماذا؟ أخبرني بسرعة، لا تتركني في حيرة!
قال الأخ بصوت خافت متهدج:
كان وجهه يشبه وجه الكلب… هل لديكِ تفسير لهذه الخاتمة المفجعة؟
عم صمت ثقيل عبر الخط لثوانٍ معدودات، قبل أن تجيب الزوجة بصوت هادئ بارد يخلو من أي ذرة تعاطف أو صدمة:
وهل تستغرب ذلك؟ إن أخاك لم يُصلِ لله ركعة واحدة طوال حياته، وكان يسخر من كل ناصح ومشفق. لم يتقبل مني يوماً موعظة، بل كان يعاملني بالضرب والقسوة كلما أمرته بمعروف أو نهيته عن منكر. أما الطامة الكبرى، والأمر الذي لا أستطيع نسيانه، فهو أنه كلما سمع أذان الصلاة مرتفعاً من المسجد المجاور، كان يصرخ في وجهنا مستهزئاً وساخراً بقوله: “أسكتوا ذلك الكلب!”. هكذا كان يصف نداء الحق والرحمن، وها هو اليوم يجازى بعمل يده.
أغلق الأخ الهاتف وسقط جهازه من يده مغشياً عليه من هول الواقعة، بينما بقيت الكلمات تتردد في أذنيه كصاعقة لا تهدأ.
يارب ارحمنا واهدنا، وجعلنا من عبادك الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




