
بعد الحفلة بكام يوم، الجرس ضرب. فتحت لقيت محمود واقف قدام الباب. كان باين عليه الكبر فجأة، لبسه غالي بس عينه مكسورة.
بص لي بتردد وقالي: كريمة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ياسين وصل لكل ده.. أنا فخور بيه.
ضحكت ضحكة وجع ممزوجة بقوة وقولتله: فخور بيه بصفتك إيه؟ الراجل اللي رماه وهو عنده تلات أسابيع؟ ولا اللي عاير أمه بسنها وقالي هيطلع غبي؟ ياسين نجح عشان أنا آمنت بيه، وعشان هو شال مسؤولية أنت هربت منها.
حاول يدخل بس وقفته: البيت ده دخله راجل واحد بس، وهو ابني. أنت ملكش مكان هنا، ولا ليك مكان في حياته.
طلع ياسين من جوه، وبص لأبوه بمنتهى الهدوء، مكنش فيه غل، كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه عدم اهتمام. قاله جملة واحدة: يا أستاذ محمود، أنا ممتن ليك إنك مشيت، لأنك لو كنت فضلت، كنت هعلمني إن الرجولة هي الهروب، بس أمي علمتني إن الرجولة هي المواجهة والسند. شكراً إنك وفرت عليا وقت كنت هضيعه وأنا بحاول أرضيك.
محمود لَفّ وضهره محني، وعرف إن الفلوس والشركات ميعوضوش لحظة ندم واحدة على ابن ضيعه من إيده.
أنا وياسين قفلنا الباب، وبصينا لبعض وضحكنا. أنا دلوقتي عندي 56 سنة، وفي عز شبابي بنجاح ابني، وهو بقى مهندس أد الدنيا، وكل ما حد يسألني جبتي الذكاء ده منين؟، بقولهم بكل فخر ده ابن الست اللي كبرت، اللي طلعت بتفهم أكتر من الدنيا كلها.
مرت الأيام، وبقت سيرة ياسين على كل لسان، والشركات الكبيرة بدأت تتنافس عشان تمضي معاه عقود لمشروعه. وفي وسط كل ده، محمود حاله اتشقلب.. القروض اللي كان واخدها عشان المظاهر بدأت تضغط عليه، والبنك بدأ يطالبه بالسداد.
ندى، اللي كان فاكرها شبابه اللي رجع، أول ما لقت المركب بتغرق، بدأت تدور على مركب تانية. وفي ليلة، محمود رجع بيته لقاها لمت كل حاجتها، والدهب اللي جابهولها، وسابت له ورقة واحدة: أنا مش هضيع عمري مع واحد مفلس ومكسور.
جاله جلطة خفيفة من الصدمة، وقعد في المستشفى وحيد، مفيش حد يسأل عنه ولا حتى ندى ردت على تليفوناته. ولما الخبر وصل لياسين، بص لي وسألني: يا أمي، هتروحي له؟
قولتله يا ابني، إحنا اتربينا على الأصول، الوجع قديم والمسامحة صعبة، بس الواجب واجب.
روحت له المستشفى.. كان منظره يصعب على الكافر. أول ما شافني، دموعه نزلت وقال بصوت يادوب طالع: سامحيني يا كريمة.. ندى سابتني، والفلوس راحت، وملقتش غيرك أنتِ وابني اللي قولت عليه مش هيفلح.. طلع هو الوحيد اللي فالح في حياتي كلها.
بصيت له بمنتهى الهدوء وقولتله: أنا مش جاية عشان أعاتبك، العتاب ده للناس اللي لسه ليهم مكان في القلب. أنا جاية أقولك إن ياسين دفع لك مصاريف المستشفى كلها، وهيتكفل بمصاريف علاجك لحد ما تقوم بالسلامة.. مش عشان أنت أبوه، عشان هو متربي، وعشان ابن العجوزة ده قلبه أنضف وأكبر من الدنيا كلها.
حاول يمسك إيدي، بس سحبتها براحة وقولتله: الفرق بيني وبينك يا محمود، إنك كنت بتدور على شكل الحياة، وأنا كنت ببني أصل الحياة.. أنت دلوقتي معاك فلوس ابني بتعالجك، بس معندكش ابن يطبطب عليك.
خرجت من المستشفى، ولقيت ياسين مستنيني بالعربية، ساندني وركبت جنبه.. بصيت في المراية وشفت تجاعيد وشي، بس المرة دي شفتها علامات نصر.
بعد شهور، محمود خرج من المستشفى، بس مكنش هو محمود بتاع zaman. الشركة ضاعت، والفيلا اللي كان واخدها تقسيط اتسحبت، وندى اختفت تماماً من حياته كأنها كانت كابوس وفاق منه. ملقاش مكان يروح فيه غير شقة قديمة مأجرها، قعد فيها لوحده بين أربع حيطان، معندوش ونيس غير الندم وصورة لياسين كان قصها من الجرنال لما اتنشر خبر تفوقه.
في يوم، كان فيه حفلة كبيرة بمناسبة افتتاح مركز ياسين للتكنولوجيا، وياسين أصر إني أكون معاه وأنا اللي أقص الشريط. وأنا واقفة جنبه، لمحت من بعيد راجل عجوز، لابس بدلة قديمة وواقف ورا الزحمة، بيحاول يشوف اللي بيحصل من غير ما حد يحس بيه.. كان محمود.
ياسين شافه، وبص لي كأنه بيستأذن بكلمة من عينيه. هزيت راسي بالموافقة، أنا مش ملاك، بس أنا أم والغل ملوش مكان في قلب شبعان بنجاح ابنه.
ياسين راح له وسط ذهول الناس، ومسك إيده وجابه لحد عندي. محمود كان باصص للأرض، مش قادر يرفع عينه في عيني. ياسين قاله: يا أستاذ محمود، النهاردة يوم فرحتنا، وأنا ناسي إنك كنت سبب في وجودي.. اتفضل معانا.
محمود بص لي وقال بصوت مرعوش: أنا مكنتش أستاهلكم يا كريمة.. أنا ضيعت الجوهرة اللي كانت في إيدي عشان حاجات تانية فانية.
رديت عليه بكلمة واحدة: اللي راح راح يا محمود، والجوهرة دلوقتي هي اللي منورة حياتنا.
محمود عاش اللي فاضل من عمره في شقة قريبة مننا، ياسين كان بيزوروا من وقت للتاني، بيعامله بالإحسان اللي ربنا أمر بيه، بس محمود كان دايماً بيحس بالغربة وهو وسطنا.. كان بيشوف في عيون ياسين الاحترام، بس مكنش بيشوف الحب اللي بيشوفه في عيونه وهو بيبص لي.
أنا كملت حياتي وأنا عارفة إن ربنا نصره عزيز مقتدر. مكنتش محتاجة محمود يرجع، ولا كنت مستنية ندى تتهان، أنا كان يكفيني إني كل يوم الصبح، ببص في وش ياسين وبقول الحمد لله إن ربنا رزقني بيك وأنا عندي 41 سنة.. عشان أثبت للعالم كله إن الست مبيكسرهاش سن، ولا بيهزمها غدر.. هي بس بتحتاج أمل تمشي وراه، وأنا أملي كان أنت.
وخلصت الحكاية، مش بوجع ولا بكسرة، لكن بدرس لكل راجل فاكر إن الجديد أحسن من الأصيل، ولكل ست خايفة من العمر.. العمر مجرد رقم، لكن القوة هي اللي بتصنع المعجزات.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




